
من يدير خيوط اللعبة اليوم في الشرق الأوسط وما دوره في تحقيق الأمن وإستتباب العدل وفرض السلام في العالم؟
محمد حسنة الطالب
يتكون الشرق الأوسط من 18 دولة ، حيث يضم شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام ، بالإضافة إلى العراق وإيران وتركيا وقبرص ومصر والكيان الإسرائيلي ، وتشكل منطقة الشرق الأوسط حلقة وصل تربط بين قارات آسيا ، أوروبا وأفريقيا ، كما أنها تزخر بثروات طبيعية معتبرة لا سيما في مجال الطاقة ، وهو ما جعلها محط أنظار الدول العظمى وبؤرة تنافس بينها على تحقيق المصالح وفرض النفوذ .
من هنا يمكن أن نفسر إحتدام الصراع على هذه المنطقة اليوم أكثر من أي وقت مضى ، لا سيما بعد تداعيات عملية طوفان الأقصى 7 أكتوبر 2023 ، وتغول إسرائيل الذي فاق كل الحدود بمجرد وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية ، والذي يجعلنا نتساءل ، من أين جاء هذا الرجل لممارسة السياسة ، وما السر وراء نجاحه في تولي الرئاسة في دولة تتسيد العالم ظلما وعدوانا ؟
جواب هذا السؤال المركب ، هو الذي سيقودنا الى معرفة من يدير خيوط اللعبة بالفعل في الشرق الأوسط ، إنطلاقا من معطيات الواقع والتداعيات المحتملة للصراع الدائر حاليا على أشده بين أمريكا وإيران ، والآفاق التي يمكن أن يتمخض عنها في المستقبل .
لقد جاء دونالد ترامب إلى الرئاسة الأمريكية قادماً من عالم رجال الأعمال والإعلام ، حيث برز كرئيس لمجموعة شركات عقارية كبرى ، ساهمت في بناء أبراج وفنادق حملت إسمه عبر التراب الأمريكي ، وأكسبته شهرة كبيرة في مجال المال والأعمال . كما برز دونالد ترامب في مجال الإعلام كمقدم للبرنامج التلفزيوني “المبتدئ”(The Apprentice) ، الذي يتابعه العديد من الأمريكيين ، الشيء الذي زاد من شعبيته وأكسبه قبولا لدى العديد من الأمريكيين .
هكذا حصل دونالد ترامب على قاعدة جماهيرية ، أهلته لخوض معترك السياسة من باب الشهرة ، كوافد جديد كسر روتين الوجوه المألوفة في الطيف السياسي المعهود في أمريكا من خلال الحزبين التقليديين الجمهوري والديمقراطي ، مراهنا بذلك على دعم المعجبين به للولوج الى سباق الرئاسة عام 2015 ، أين تمكن من الإنخراط في صفوف الحزب الجمهوري بفضل شعبيته وخلفيته الإعلامية ونفوذه المالي ، ولكن كل ذلك لم يكن كافيا لجعله قادرا على تحقيق حلمه الموعود بالرئاسة ، ولذلك كان لابد من دعم خارجي يعزز حظوظه في الفوز بالإنتخابات الرئاسية الأمريكية التي ترشح لها عام 2016.
من هنا بالضبط بدأ الشك في من كانت له اليد الطولى في دعم حملة دونالد ترامب الإنتخابية ، والترويج لها بطريقة غير مباشرة ، فعلى الرغم من إعلان الجانب الروسي أن الانتخابات الأمريكية هي شأن داخلي ، وأن الكرملين سيتعاطى مع الرئيس الذي سينتخبه الشعب الأمريكي من أي حزب كان ، إلا أن كره بوتين للسيدة كلينتون وتوجهاتها العدائية ضد روسيا ، ولقناعته بأنها تمتلك حظوظاً أوفر لتصبح أول امرأة رئيسة للولايات المتحدة ، كل ذلك أخذه بوتين بعين الإعتبار وحسب له حسابه ، لا بل أنه شكل بالفعل رهانات قوية على ترامب من طرف العديد من الدوائر السياسية في موسكو ، كون خطاب ترامب يجد رضا وقبولاً ، وربما إمكانية لخدمة مصالح روسيا في المستقبل من حيث لا يعلم سدنة البيت الأبيض ، ولذلك أخذ الحديث عن التأثير أو التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية زخماً كبيرا ، يعود إلى عدة اعتبارات أهمها :-
1- إن المرشح الجمهوري دونالد ترامب، نسج علاقات واسعة وطيبة مع رجال المال والأعمال والسياسة في روسيا منذ العام 1987. وأكثر من ذلك، صرح ترامب بأنه، في حالة انتخابه، سوف يعمد إلى تحسين العلاقات مع موسكو؛ لأن هذا الأمر جيد لبلاده. والواقع أن هذا الاعتبار، دفع “مجلة السياسة الخارجية” Foreign Policy، إلى التساؤل عما إذا كان ترامب عميلاً روسياً أو دُمية في يد الرئيس بوتين، يستخدمها للتدخل في الشؤون الأمريكية؟!
2- أن علاقة الود والوفاق الظاهرة بين ترامب وبوتين من ناحية، وعلاقة الخصام أو العداء بين الأخير والمرشحة الديمقراطية ، هيلاري كلينتون، من ناحية أخرى. جعلت الرئيس بوتين يصف المرشح الجمهوري بأنّه “شخص لامع وموهوب”. ومن جانبه، وصف الأخير بوتين بأنه زعيم قوي وممتاز ، وعبَّر عن إعجابه بسياسته الصارمة. كما أكد ترامب أنه لا يرى مشكلة في دعوة بوتين إلى واشنطن حال فوزه في الانتخابات الرئاسية.
من جهة أخرى لم تكن العلاقات بين بوتين وكلينتون على ما يُرام، ولذلك لم ينس انتقاداتها للانتخابات البرلمانية الروسية عام 2011، عندما كانت وزيرة الخارجية، واعتقاده أن هذه الانتقادات أعطت الإشارة لمعارضيه أن ينزلوا إلى الشوارع احتجاجاً. فضلاً عن مواقفها الشديدة تجاه الملفين السوري والأوكراني، وانتقادها لملف الديمقراطية وحقوق الإنسان في روسيا، ولبوتين نفسه بأنّه يحاول “إعادة إنتاج الاتحاد السوفييتي”.
3- من بين الاعتبارات التي أكسبت موضوع التأثير الروسي أهميةً كبرى أيضا في الانتخابات الأمريكية ، ما يتعلق برجال ترامب، الذين أُثيرت تساؤلات بشأن علاقاتهم بشخصيات مُقربة من الإدارة الروسية. وفي مقدمة هؤلاء بول مانافورت، رئيس الحملة الانتخابية لترامب والذي استقال بعد أسبوع من تقليص صلاحياته خلال عملية تغيير في قيادة الحملة الإنتخابية ، والذي عمل لنحو عقد كامل مستشاراً سياسياً للرئيس الأوكراني السابق ، فيكتور يانكوفيتش، الموالي لروسيا، وساعده في حصول حزبه على الأغلبية البرلمانية، والفوز بالانتخابات الرئاسية الأكرانية ، قبل أنْ يُطاح به إثر انتفاضة شعبية في عام 2014، ما اضطره إلى اللجوء إلى روسيا.
4- من هذه الاعتبارات أيضا وأهمها ما يتعلق بعملية القرصنة الإلكترونية لحواسيب اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي، واختراق البريد الإلكتروني للعديد من المسؤولين فيها، وتسريبها إلى “ويكيليكس” الذي نشرها عشية مؤتمر الحزب الديمقراطي في فيلادلفيا ، حيث كشفت تلك التسريبات تواطؤ قياديين كبار في الحزب لمصلحة كلينتون ضد ساندرز خلال الانتخابات الديمقراطية التمهيدية لاختيار مرشح الحزب للرئاسة ، وأنهم حرضوا الناخبين في ولايات الجنوب المحافظة ضد ساندرز من خلال إثارة مسألة انتمائه للديانة اليهودية وأفكاره اليسارية المتطرفة ، وبناء على هذا تشكل اقتناع بين خبراء التقنية ورجال السياسة وأجهزة المخابرات الأمريكية بأن الروس وراء عملية القرصنة تلك ، وقد رآى الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما إمكانية حدوث مثل ذلك العمل .
بناء على هذه المعطيات وتناغمها مع مجريات الواقع اليوم ، التي تشي بإنهيار أمريكا والتوجه نحو التعددية القطبية في المستقبل ، نجد أن مسألة تفكيك الإتحاد السوفيتي في ال 26 ديسمبر 1991 لم تغب ولو للحظة عن ذهن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، بل ويتضح جليا أنه مازال مصرا على الثأر من الولايات المتحدة الأمريكية التي تسببت في تحجيم دور روسيا القيصرية والحد من قوتها ومن نفوذها على الساحة الدولية ، ولذلك إنتهج بوتين منذ سقوط الإتحاد السوفيتي ، أسلوبا إستيراتجيا ناعما ومؤثرا في نفس الوقت للإنتقام من أمريكا على المدى البعيد ، تجلى في دعم أي توجه عدواني لها ، بهدف النيل من قوتها العسكرية والإقتصادية وتشويه سمعتها بإعتبارها نذير شؤم وخطر داهم على الأمن والسلام وعلى أحلام التقدم والازدهار التي تنشدها شعوب ودول العالم .
إن دهاء بوتين وعزمه الشديد على رد الصاع صاعين في ما يتعلق بالهيمنة الأمريكية على العالم ، جعله يخطط لتحالف إستيراتجي قوي بين روسيا كقوة عسكرية والصين كقوة إقتصادية ، وإستقطاب العديد من الدول إلى هذا التكتل الآخذ في التوسع يوما بعد يوم ، لاسيما بعد إنضمام كوريا الشمالية كدولة نووية وإيران مربط الفرس في المواجهة ، وشرارة التحول الموعود إنطلاقا من منطقة الشرق الاوسط ، محل التنافس بين الشرق والغرب ، وها هنا لا يختلف إثنان على الدعم الكبير التي تحظى به إيران من حلفائها الكبار الروس والصينيين ، مثلما لا تخفى على أحد تلك القوة الضاربة التي بنتها إيران في ظل الحصار الخانق ، وتلك التدابير والإحتياطات التي إتخذتها وخططت لها المواجهة مختلف التحديات والسيناريوهات المحتملة في جميع المجالات التي يمكن أن تشكل نقطة ضعف بالنسبة لها ، رغم العقوبات والصبر الإستيراتجي الذي كانت تنتهجه في التعامل مع مختلف الإعتداءات الإسرائيلية والأمريكية الخاطفة . وبهذا نصل إلى الفخ الذي أعدته روسيا لأمريكا وربيبتها إسرائيل ، وللذين يجرون في فلكها من الأعراب والعجم ، أولئك الذين ظنوا أن إيران مجرد لقمة سائغة يسهل إبتلاعها ، لتضح صعوبة ذلك ، بالنظر لعبقرية من يدير خيوط اللعبة من ورائها خدمة لمصلحته ومصلحة العالم في الأمن والإستقرار وإستتباب السلم والعدالة وإحترام إرادة الشعوب وحق الدول في إدارة شؤونها بنفسها بكل حرية وديمقراطية .
إن ما يجري في الشرق الأوسط اليوم من أحداث ساخنة وتحولات متسارعة ، ليشي بإنهيار وشيك للغطرسة الأمريكية على يد التحالف الإستيراتيجي الذي أعده بوتين على مدار عقود من الإستعداد الدائم والدراسة المستفيضة لمختلف نقاط الضعف والقوة للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ، وإبتكار الخطط والأساليب الناجعة للتعامل معها ، وهذا ما نقف على بعض من نتائجه اليوم ، التي تجلت في الصمود الإيراني ، والتصدع الحاصل بين دول حلف النيتو ، بسبب الحرب التي أعلنها ترامب من جانب واحد ضد إيران ، وأدت إلى خلل في سلاسل التوريد وارتفاع في أسعار الطاقة وخنق للإقتصاد العالمي ، من خلال تحكم إيران وحلفاؤها في مضيق هرمز وإدارته وفق مشيئتهم ، وهذا ما يتضح من خلال عجز أمريكا عن فتحه ، ويؤكد في الوقت نفسه فرضية إشتباه المخابرات الأمريكية بعمالة ترامب لروسيا وخدمة أجنداتها المناهضة للغرب عموما ، وهو الذي دفع بالأوروبيين نحو التورط في الحرب الأوكرانية ، وأدى الى تصدع حلف النيتو وتقليص قدرته على التمدد نحو الحدود الروسية عبر أوكرانيا ، هذه الأخيرة التي إستنزفت حربها ضد روسيا ، مخزون أمريكا من صواريخ الباتريوت ، وسببت لها عجزا عسكريا في إعتراض الصواريخ والمسيرات الإيرانية .
هكذا وإلى حد الساعة ، تثبت كل الدلائل والمعطيات تحكم بوتين وحلفاؤه بخيوط اللعبة ، وتحريكها وفق رؤى إستيراتجية مشتركة ، تهدف إلى إنهاك الولايات المتحدة الأمريكية من خلال ما خطط له منذ عقود على سبيل إنتقام روسيا من أمريكا وتسيدها عسكريا من جهة ، ورغبة صينية في تصدر العالم إقتصاديا من جهة أخرى ، وبالتالي القضاء على الهيمنة العسكرية والإقتصادية الأمريكية ، التي إمتدت على مدار 35 عاما خلت حتى الآن ، من الأحادية القطبية والظلم السافر ، وتغول قانون الغاب على قوانين ومواثيق الشرعية الدولية ، ومن هنا بالضبط يمكن أن يشهد العالم تغيرا نحو إستتباب الأمن وإحلال السلام وفرض الإستقرار أكثر من أي وقت مضى في مختلف أرجاء العالم .



