
في الوقت الذي تتحرك فيه أوروبا لتقوية استقلالها الاستراتيجي، وتطرق دول بعيدة جغرافياً أبوابها بحثاً عن شراكة أعمق معها، يبدو المغرب وكأنه يتحرك في الاتجاه المعاكس: يقترب أكثر من واشنطن وتل أبيب، وفي الوقت نفسه يعيد إلى الواجهة ملف سبتة ومليلية، أي أنه لا يفتح جبهة سياسية مع إسبانيا فقط، بل يضع إحدى أكثر القضايا حساسية على حدود الاتحاد الأوروبي.
وهنا يتساءل المرء هل يقرأ المغرب فعلاً اتجاه الرياح الجديدة في الجغرافيا السياسية؟
في 16 سبتمبر الجاري، كان المشهد لافتاً: واشنطن وتل أبيب والرباط تجتمع في نيويورك، وتعلن رفع العلاقات المغربية الإسرائيلية إلى مستوى السفارات، فيما تؤكد الولايات المتحدة وإسرائيل دعمهما للموقف المغربي بشأن الصحراء الغربية أي مرة أخرى تأكيد مقايضة القضية الفلسطينية بسيادة مغربية مزعومة على الصحراء الغربية.
في اليوم نفسه تقريباً، كانت بروكسل تفتح باباً غير مسبوق أمام كندا، الدولة الواقعة خلف الأطلسي، لتصبح أول عضو منتسب إلى الاتحاد الأوروبي. وكان رئيس الوزراء الكندي “مارك كارني” يتحدث صراحة عن تعميق التعاون مع أوروبا لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي والقدرة على الصمود والسيادة.
والأهم أن سبتة ومليلية لم تعودا مجرد قضية ثنائية مغربية إسبانية. فبعد أزمة سبتة في يوليو الماضي، تعاملت مؤسسات أوروبية معها باعتبارها قضية مرتبطة بحدود الاتحاد وإدارته للهجرة وأمنه. لذلك فإن تحويل الملف إلى ورقة ضغط متكررة مع مدريد بدء يحمل نتيجة عكسية على المخزن، حيث أصبحت قضية حدود أوروبية كما عبر عنه البرلمان الأوروبي الأسبوع الماضي.
وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية الحقيقية.
فالمغرب يحتاج إلى أوروبا بحكم الجغرافيا والاقتصاد والتجارة والطاقة والأمن، بينما أوروبا نفسها تحاول تقليل اعتمادها على أي قوة خارجية في المجالات الاستراتيجية. وفي هذا السياق، فإن انتقال كندا نحو شراكة أوروبية أعمق ليس مجرد حدث كندي أوروبي؛ إنه مؤشر على الخريطة السياسية الجديدة. فأوروبا هي الاتجاه الذي ينبغي التقرب اليه، لا الاتجاه الذي ينبغي الضغط عليه. لكن لماذا يطير المغرب دائما نحو البعيد ويهمل القريب؟
لقد عودتنا الرباط أنه كلما ضاقت عليها الجغرافية القريبة بسبب قضية الصحراء الغربية وكلما تعقدت علاقتها بجيرانها تطارد تحالفات خارج محيطها ولو على حساب مصلحتها ومصلحة الشعب المغربي:
ففي سنة 1984، بسبب القضية الصحراوية، اختار المغرب مغادرة منظمة الوحدة الإفريقية، بعد قبول المنظمة عضوية الجمهورية الصحراوية. وبذلك غادر المؤسسة القارية التي كان واحدا من مؤسسيها وبعد أكثر من ثلاثة عقود، عاد إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، بعدما أدرك أن البقاء خارج البيت الإفريقي لم يمنحه ما كان يبحث عنه.
لكن المفارقة أن المغرب، بعد عودته إلى إفريقيا، لم يجعل الأولوية لإعادة بناء المجال المغاربي الذي يشكل امتداده الجغرافي الطبيعي، بل إن الملك محمد السادس نفسه قال أمام القمة الإفريقية في أديس أبابا سنة 2017 “إن شعلة اتحاد المغرب العربي انطفأت”. بعد ذلك وكأنه ينتقم من مجاله المغاربي وأيضا بسبب الصحراء الغربية، يتقدم المغرب رسميا بطلب العضوية الى المجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا “سيداو” تلك العضوية التي لم تجد طريقها الى القبول، بل بكل بساطة تم رفضها. وكانت للمغرب محاولات أخرى في الشرق الأوسط للانضمام الى مجلس التعاون الخليجي الذي حضر الملك نفسه لأحد اجتماعاته وتدخل المغرب عسكريا الى جانب بعض دول هذا المجلس في حربها ضد اليمن توددا لها لدعمه في مواجهة الشعب الصحراوي.
ويبقى كابوس الصحراء الغربية يطارد المخزن فبعد اعتراف إسبانيا قانونياً بخصوصية العلاقة بين الصحراويين والإدارة الإسبانية تفتح مدريد باب الإتحاد الأوروبي وبرلمانها سيكون جسر العبور للصحراويين للتحدث مباشرة لأوروبا، مستندين إلى القانون الأوروبي نفسه الذي يعتبر الصحراء الغربية إقليما منفصلا ومتميزا عن المغرب. ذلك بالفعل هوما أربك المخزن وقلب حساباته إضافة الى ورقة سبتة الخاسرة، فاختار أن يطير بعيدا.
إن قضية الصحراء الغربية ظلت هي العقدة التي تتحكم في السياسة الخارجية المغربية منذ عقود وجعلتها تتخبط يمنة ويسارا لذا نراها اليوم تندفع بعيدا، لتجد نفسها بين كماشة واشنطن وإسرائيل وفي الوقت الذي تعيد فيه أوروبا حساباتها وتسعى إلى
قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي يكرر المغرب نفس أخطاء الماضي. فبدلاً من الاستثمار السياسي في مجاله الجغرافي المباشر، حيث توجد الجزائر وموريتانيا وتونس وليبيا، وحيث توجد أوروبا على الضفة الأخرى من المتوسط، يبدو أنه يواصل البحث عن روافع أبعد: إفريقيا جنوب الصحراء، ثم واشنطن، ثم تل أبيب.
كلما اصطدمت السياسة المغربية بعقدة الصحراء الغربية، حاولت الرباط البحث عن فضاء أبعد تستطيع فيه إعادة ترتيب موازين القوة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو إلى متى يمكن التحليق بعيداً عن الجغرافيا قبل أن تفرض الجغرافيا نفسها من جديد؟ قد تكون هذه هي الثغرة التي ينبغي للبوليساريو أن تستثمرها سياسياً، أن تترك المغرب يطارد البعيد، بينما تعيد هي بناء حضورها في القريب؛ في إفريقيا، وفي أوروبا، وفي الفضاء المغاربي، وفي المؤسسات التي لا تستطيع الجغرافيا السياسية تجاوزها. وأن تستفيد اليوم من خطأ المغرب في قراءة اتجاه الرياح.
بقلم: محمد فاضل الهيط



