كتاب وآراء

من أعطى المغرب حق التفاوض مع نفسه على مستقبل الصحراء الغربية؟

بقلم محمد فاضل الهيط

اعتلى يوم أمس وزير خارجية المغرب السيد بوريطة منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة ليقدم بنبرة الواثق من نفسه ” اللاّءات الست” بشأن قضية الصحراء الغربية. فبدلاً من أن يقول: هذه رؤيتنا للحل، تعالوا نضعها على الطاولة ونناقشها مع الطرف الآخر، يقول عملياً: هذا هو الحل، وهذه هي شروط التفاوض عليه، وما عدا ذلك مرفوض!

يا لها من مفاوضات مريحة! طرف يضع ورقة الحل على الطاولة، ثم يضع بجانبها لائحة بما يجوز مناقشته وما لا يجوز، ثم يطلب من الطرف الثاني – البوليساريو – أن يجلس ليتفاوض!

لكن المشكلة أن قضية الصحراء الغربية ليست، في أصلها، ورشة لإعداد نظام حكم محلي حتى تأتي الرباط بمشروع “حكم ذاتي” وتطلب من الجميع مناقشة تفاصيله. الصحراء الغربية ما زالت مدرجة لدى الأمم المتحدة كإقليم غير متمتع بالحكم الذاتي، ولذلك فإن القضية، في إطار الأمم المتحدة، مرتبطة أساساً بعملية تصفية الاستعمار وبحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.

وهنا يبدو طرح بوريطة وكأنه يريد أن يقفز فوق السؤال الأصلي. الذي هو: كيف يمارس شعب الصحراء الغربية حقه في تقرير مصيره؟

هنا تحديداً تبدو “لاءات” بوريطة فارغة من أي محتوى.

لأن المغرب يستطيع أن يقول هذا هو مقترحي وهذا أمر طبيعي في أي نزاع. لكنه لا يستطيع أن يحوّل مقترحه، بمجرد تكراره، إلى اتفاق لم يتم التوصل إليه بعد. فالمغرب يريد أن يجعل الحكم الذاتي نقطة الانطلاق ونقطة الوصول معاً، يا للسخرية! أما الطرف الصحراوي، فإن جوهر موقفه يقوم على أن مستقبل الإقليم لا يمكن أن يقرره طرف واحد، وأن تقرير المصير ليس تفصيلاً يمكن وضعه جانباً ثم العودة إليه بعد الاتفاق على شكل الحكم.

فهذه ليست مسألة شعارات ولا الخبرة في صياغة الخطابات في محفل دولي.

ففي أعمال لجنة الأمم المتحدة الخاصة بإنهاء الاستعمار خلال 2026، ظل وصف الصحراء الغربية كإقليم غير متمتع بالحكم الذاتي حاضراً، كما أكدت مداخلات دول أعضاء أن تقرير المصير عبر استفتاء الشعب الصحراوي، يجب أن يظل عنصراً مركزياً في أي تسوية.

ولنا أن نتساءل إذا كان الحكم الذاتي هو الحل النهائي، فلماذا نحتاج إلى مفاوضات أصلاً؟

وإذا كانت المفاوضات ضرورية، فلماذا تُحسم نتيجتها قبل أن تبدأ؟

وإذا كان الطرفان مطالبين بالتوصل إلى حل “منطقي، دائم، متوافق عليه ويرضي الجميع”، فكيف يكون أحدهما قد حدد مسبقاً ما هو الحل وما هو غير الحل؟

بل إن قرار مجلس الأمن 2797 نفسه للسنة الماضية دعا الأطراف إلى التفاوض بهدف الوصول إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه يضمن تقرير مصير شعب الصحراء الغربية.

وهنا تسقط محاولة تصوير الأمر وكأن المجتمع الدولي قال للصحراويين: “انتهى الأمر، ليس أمامكم إلا الحكم الذاتي”.

المغرب يريد مفاوضات، لكنه يريد أن يحدد مسبقاً ما الذي يمكن أن تنتجه المفاوضات ويريد حلاً “متوافقاً عليه”، لكنه يريد أن يحسم مسبقاً طبيعة ذلك الحل ويريد عملية سياسية، لكنه يريد أن يبدأها من نتيجة اختارها هو.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي أكثر بساطة من كل “لاءات” المخزن المغربي هل الحكم الذاتي نتيجة تفاوضية، أم شرط مغربي للتفاوض؟

على السيد بوريطة ومن هو ورائه، أن يعرف أن قضية الصحراء الغربية ليست تفننا في صياغة «اللّاءات». إنها قضية تصفية استعمار لم تكتمل بعد، ولذلك فإن جوهرها لا يمكن أن يختفي خلف إعادة تسمية النزاع أو تحويله إلى خلاف حول صيغة للحكم المحلي.

وقد يكون من حق الرباط أن تقول: هذا هو اقتراحي.

لكنها لا تملك أن تقول: وهذا هو مستقبل الصحراء الغربية.

فالفرق بين العبارتين هو بالضبط الفرق بين مقترح تفاوضي ونتيجة مفروضة مسبقاً.

وهنا، مهما ارتفعت نبرة الوزير المغربي للخارجية ب«اللّاءات الست»، تبقى إعادة السؤال الذي لا تستطيع اللاءات الإجابة عنه: من أعطى المغرب حق التفاوض مع نفسه على مستقبل الصحراء الغربية؟

بقلم: محمد فاضل الهيط

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

من أعطى المغرب حق التفاوض مع نفسه على مستقبل الصحراء الغربية؟

by liga time to read: <1 min
0
إغلاق