مقالات

الخطر الأكبر ليس في الداخل وحده… بل في الجيوسياسي المتغير

محمد فاضل الهيط

تستعد الأمانة الوطنية لدورة جديدة، وتتهيأ لمؤتمر جديد، وتعلن تشكيل لجان ومجموعات عمل لإعداد برامج العمل الوطني. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل نحن ندرك الخطر الجيوسياسي المحيط بنا؟

لأن ما يراه الصحراويون اليوم لا يوحي بكثير من التفاؤل.

فالقضية الصحراوية تواجه اليوم بيئة جيوسياسية مختلفة جذرياً عن تلك التي عرفتها في العقود الماضية. وموازين القوى في المنطقة تتغير، والتحالفات الدولية يعاد تشكيلها، وشمال إفريقيا ومنطقة الساحل أصبحتا جزءاً من صراع أوسع على النفوذ والمصالح، والطاقة، والأمن، والهجرة. كلها عوامل تجعل القضية الصحراوية تتحرك داخل بيئة دولية شديدة التعقيد.

وفي مثل هذا الظرف، فإن الجمود السياسي ليس مجرد مشكلة تنظيمية، بل قد يتحول إلى خطر استراتيجي على مستقبل القضية نفسها. وهنا يجب أن يُقال الكلام بكل وضوح:

لا يمكن مواجهة هذه التحولات بعقلية الأمس، ولا بإدارة سياسية تعيد إنتاج نفسها بالآليات ذاتها والوجوه ذاتها. إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن ننشغل بالصراعات التنظيمية الداخلية، وبإعادة توزيع المواقع، بينما تتغير البيئة الاستراتيجية المحيطة بالقضية بسرعة كبيرة.

فهل هناك، مثلاً، تصور استراتيجي واضح للتعامل مع التحولات الجارية في المنطقة؟

وهل تمتلك القيادة السياسية رؤية جديدة للتعامل مع التحولات في مواقف القوى الدولية الكبرى التي ضبطت أولوياتها؟

وهل يجري الاستثمار بما يكفي في الدبلوماسية الاقتصادية والإعلامية والرقمية؟

وهل توجد استراتيجية متكاملة لمواجهة الرواية المغربية في المحافل الدولية ووسائل الإعلام ومراكز التفكير؟

وهل يتم إعداد جيل جديد من الدبلوماسيين والخبراء القادرين على فهم هذه التحولات والتعامل معها؟

إن التحولات الجيوسياسية من حولنا تسير بسرعة البرق والدول لا تبني سياساتها على العواطف، بل على المصالح والتحالفات وموازين القوة. وما كان ممكناً بالأمس قد يصبح مستحيلاً غداً، وما كان ثابتاً لعقود قد يتغير في أشهر.

ومن هنا، فإن استمرار إدارة القضية الوطنية بالمنطق نفسه، وفي ظل إبعاد الكفاءات الشابة، قد يؤدي إلى فجوة خطيرة بين سرعة التحولات الدولية وبطء الاستجابة السياسية. وهذه الفجوة هي التي يجب أن تقلق أصحاب القرار السياسي في البوليساريو أكثر من أي شيء آخر.

إن القضية الصحراوية لا تواجه فقط خصماً سياسياً، بل تواجه أيضاً زمنًا جيوسياسيي متسارعاً. وكل تأخر في قراءة هذا الزمن قد تكون كلفته أكبر ولذلك، فإن المطلوب ليس فقط تغيير بعض الأسماء، بل إعادة بناء العقل الاستراتيجي الذي يدير القضية الوطنية، عقل يستوعب التحولات في المغرب العربي والساحل، عقل يتابع تحولات المواقف الأوروبية والأمريكية،

عقل يفهم كيف تعمل مراكز الضغط والتأثير والرأي العام الدولي وعقل يستطيع أن ينتقل من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة.

إن استمرار الاعتماد على طرق قديمة لإدارة ملف القضية الوطنية الذي تضاعف تعقيده، مع تهميش الكفاءات الجديدة، يحمل مخاطرة لا يجوز الاستهانة بها.

فالقضية قد لا تخسر فقط بسبب قوة الخصم، وإنما قد تخسر أيضاً بسبب عجزها عن تطوير أدواتها في الوقت المناسب.

ولهذا، فإن المؤتمر القادم يجب أن يكون أكثر من مجرد استحقاق تنظيمي. يجب أن يكون لحظة لإعادة تقييم الموقع الذي فيه القضية الصحراوية اليوم، ودراسة التحولات المحيطة بها، ووضع استراتيجية طويلة المدى لا تتعامل مع العالم كما كان، بل كما أصبح وكما يمكن أن يكون.

إن أخطر وهم، يمكن أن تعيشه أي حركة سياسية هو الاعتقاد بأن استمرار الوضع القائم يعني استمرار القضية بالضرورة.

إن الأمر ليس كذلك. القضايا لا تنتصر لمجرد أنها عادلة في نظر أصحابها، وإنما تحتاج أيضاً إلى قيادة قادرة على قراءة موازين القوى، واستثمار الفرص، وتغيير الأدوات، وتجديد النخب، وإنتاج المبادرات.

ومن هنا، فإن التجديد لم يعد مطلبا شعبيا، بل ضرورة استراتيجية.

وإذا لم تُفتح الأبواب أمام جيل جديد من الكفاءات، وإذا لم تُراجع طريقة إدارة القضية، وإذا لم تتم قراءة التحولات في المنطقة بواقعية وشجاعة، فإن الخطر الحقيقي لن يكون فقط في بقاء الوجوه نفسها، بل في أن تجد القضية نفسها ذات يوم أمام واقع جديد تكون فيه التحولات قد سبقتها، والفرص قد تجاوزتها، والقرارات الكبرى قد اتُخذت من دون أن تكون حاضرة فيها بالقدر الكافي.

وهنا، لا بد من قول الحقيقة كاملة:

العدو الأخطر على أي قضية ليس فقط خصمها الخارجي، بل أيضاً الجمود الداخلي الذي يمنعها من الاستعداد للمستقبل.

ولهذا، فإن المسؤولية التاريخية تقع اليوم على عاتق أصحاب القرار: إما أن يدركوا أن العالم تغير، وأن أدوات الصراع تغيرت، وأن الواقع يفرض قواعد جديدة، ونخب جديدة؛ وإما أن يستمروا في إدارة قضية القرن الحادي والعشرين بعقلية القرن العشرين.

وفي السياسة، كما في التاريخ، من لا يقرأ التحولات في وقتها، يجد نفسه في النهاية ضحية لها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

الخطر الأكبر ليس في الداخل وحده… بل في الجيوسياسي المتغير

by liga time to read: <1 min
0
إغلاق