كتاب وآراء

الولي مصطفى السيد: إرث فكري لقائد سبق عصره وما زال يلهم الأجيال

بقلم: الكاتب احمد مولاي حمة (الساسي)

نخلد في هذا الشهر العظيم ذكرى عيد الشهداء، التي تتزامن مع استحضار سيرة أسطورة وأيقونة النضال الصحراوي، القائد المؤسس الشهيد الولي مصطفى السيد، أحد أبرز رموز الكفاح الوطني الصحراوي، ومن الرجال الذين رسموا لشعبهم معالم الطريق نحو الحرية والاستقلال، وتركوا بصمة خالدة في تاريخ الشعب الصحراوي ومخيال ذاكرته الجماعية.
ونحن نستحضر مسيرة رجل عظيم سبق عصره بفكره ورؤيته ونظرته الاستشرافية، فكان قائدا فذا ومفكرا وملهما للثورة ونبراسا للثائرين، حتى استحق أن يوصف بـ تشي غيفارا الصحراء الغربية أو غرامشي الصحراء الغربية، لما امتلكه من عبقرية ونبوغ وقدرة استثنائية فاقت كثيراً من أبناء جيله وعصره.
الولي مصطفى السيد ليس مجرد شهيد رحل عن هذه الدنيا، بل هو شهيد حي في ذاكرة شعبه ووجدانه، ما زال يحرك التاريخ من تحت قبره بفكره ورؤيته وإرثه النضالي. فالأجساد قد تغيب وترحل، أما الأفكار العظيمة فلا تموت، بل تبقى خالدة تتناقلها الأجيال جيلا بعد جيل. لم يكن الولي قائدا سياسيا أو مؤسسا فعليا للحركة والدولة فحسب، بل كان مفكرا وفيلسوفا وعالم اجتماعيا امتلك فهما عميقا لبنية المجتمع الصحراوي، وتاريخه، وثقافته، ونفسيته. وبحس الباحث في الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا، استطاع أن يفكك واقع شعبه، ويشخص مكامن القوة والضعف فيه، ويرسم خارطة طريق واضحة تقود الى الحرية والاستقلال. ولهذا لم يكن الولي ابن عصره فحسب، بل سبق عصره بأفكاره وطموحاته ونظرته الاستشرافية للمستقبل، حيث استشرف تحولات وأحداثا تحققت لاحقا، وأخرى ما تزال تتكشف مع مرور الزمن، وما زالت تحليلاته تحتفظ براهنيتها وتلهم المناضلين، مؤكدة أن المفكرين والقادة العظام لا يرحلون حقا، بل هم خالدون بعد الرحيل بما يتركونه من أثر في حياة شعوبهم ومسار تاريخها.
ربما صنعت كثير من الشعوب رموزها من الأساطير والحكايات التي تناقلتها الأجيال، ربطت بعضها تاريخها بأبطال اختلطت في سيرهم الحقيقة بالخيال كما هو في الاساطير النوردية والرومانية القديمة. أما نحن، فلا نحتاج إلى البحث في الأساطير البعيدة، لأن لدينا أساطير حية صنعتها التجارب، والاحداث، والوقائع، والتضحيات. فالولي مصطفى السيد ورفاقه من الشهداء، إلى جانب شهداء وأبطال دولة الوبر ومقاومي الاستعمار في مجتمع البيضان، مثل اعلي ولد ميارة، والفراح، وإسماعيل ولد الباردي، وإبراهيم السالم ولد ميشان، ومحمد سالم ولد أبهايا، وأحمد ولد براي، وأحمد لحمادي، واعلي بويا ولد ميارة، وحمة ولد اعلي ولد الساسي، وعالي ولد أبا لحسن، وبشري ولد ببيت، والعتيق ولد البشير ولد اندور، وعبد الله ولد اسويح، والحسين ولد عمر ولد امحمد، وولد امغير، واعلي ولد اعبيليل، وشياهوا، ومحمود ولد بهاها، وجاهة ولد الشيخ محمد فاضل، وغيرهم كثير… لم يكونوا شخصيات نسجها الخيال، بل رجالا صنعوا التاريخ بدمائهم وتضحياتهم ومبادئهم، لا بالأوهام ولا بالروايات المنسوجة.
لقد ترك الولي فكرا ومشروعا وطنيا ورؤية واضحة لشعبه، وما أحوجنا اليوم إلى العودة إلى ذلك الفكر والبناء عليه وتنزيله وتفعيله بما ينسجم مع متطلبات تأطير الأجيال وتطلعات الشعب الصحراوي. فالأمم التي تنقطع عن ذاكرتها الفكرية وتفرط في إرث روادها تخلق فجوة في تاريخها وتفقد بوصلتها. وعندما نفقد البوصلة نسير كالأعرج الذي يحاول التقدم دون توازن، نتعثر في كل خطوة ونكرر أخطاء الماضي. لذلك فإن الوفاء الحقيقي للولي والشهداء لا يكون بالبكاء على ذكراهم، بل بتحويل أفكارهم إلى قوة حية، محركة للتاريخ وتوجه الحاضر وتصنع المستقبل.
وإذا كان الولي مصطفى السيد قد عرف قائدا للثورة ومؤسس فعلي للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب والدولة، فإن مسيرته النضالية بدأت مبكرا من داخل أسوار الجامعة، حيث برز، رفقة ثلة من رفاقه، كأحد مؤسسي الحركة الطلابية الصحراوية في سبعينيات القرن الماضي.
وبالعودة إلى تلك المرحلة أي تاريخ الحركة الطلابية الصحراوية، يبرز الحضور المتميز للشهيد الولي مصطفى السيد خلال مرحلة السبعينيات، حين كان طالبا بكلية الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط. فقد استطاع، إلى جانب عدد من رفاقه في النضال، من بينهم محمد سيداتي، ومحمد لمين أحمد، ومحمد سالم السالك، والحبيب خليلي وغيرهم…، أن يعرف بالقضية الصحراوية من داخل الساحة الجامعية، في ظروف بالغة الصعوبة والخطورة، وبإمكانات محدودة وضئيلة. ورغم ذلك، نجح الشهيد الولي ورفاقه في نسج علاقات متميزة مع عدد من رموز الحركة الوطنية المغربية، ومع الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ومناضلي اليسار الجذري المغربي، الذين تعرض كثير منهم لاحقا للاختطاف والاعتقال السياسي، وقضوا سنوات طويلة داخل السجون المغربية بسبب رفضهم الاعتراف بما يسمى “مغربية الصحراء”، ودفاعهم الصريح عن مبدأ تقرير مصير الشعب الصحراوي، ورفضهم تبني الطرح الرسمي حول القضية الصحراوية.
ومن أبرز هؤلاء المناضلين قيادات منظمة «إلى الأمام»، وعلى رأسهم المناضل والمختطف السابق أبراهام السرفاتي، الذي قضى ثمانية عشر عاما في السجن، قبل أن يفرج عنه وينفى قسرا خارج وطنه، إلى جانب المناضلة سعيدة لمنبهي، التي سقطت شهيدة سنة، 11 ديسمبر 1977 داخل زنزانتها متأثرة بآثار التعذيب ومضاعفات الإضراب المفتوح عن الطعام. كما ضمت هذه المرحلة مناضلين مغاربة آخرين رفعوا، أثناء محاكماتهم السياسية، شعارات جريئة، كان من أبرز: “عاشت الجمهورية المغربية، وعاشت الجمهورية الصحراوية الديمقراطية”.
وكان أغلب هؤلاء المناضلين يعرفون الشهيد الولي مصطفى السيد بدفاعه المستميت عن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وعن حقوق الطلبة والعمال الصحراويين، وبأفكاره التقدمية المناهضة للفكر العنصري والشوفيني، وتركيزه على الكفاح المشترك من أجل تحرير شعوب المغرب العربي الكبير. ولهذه الاعتبارات، حظي باحترام واسع داخل أوساط الحركة الطلابية المغربية التقدمية، وبتقدير عدد من رموزها، الذين ما يزال أغلبهم يستحضر دوره كمناضل صحراوي آمن بالثورة وبالكفاح المسلح ضد الاستعمارين الإسباني والاحتلال المغربي.
ومن أبرز إسهاماته الفكرية في هذا السياق مقاله المعنون “الصحراء الغربية فلسطين الثانية”، الذي نشر في المجلة المغربية التقدمية “أنوال”. كما شارك، رفقة عدد من رفاقه، في إعداد أول مذكرة مشتركة مع منظمة ” إلى الأمام – 23 مارس” بعنوان “فلسطين جديدة بأرض الصحراء الغربية”، والتي صدرت في مجلة، “أنفاس” في ديسمبر 1971.
وكان الشهيد الولي مصطفى السيد أول سفير دبلوماسي فعلي للحركة، إذ تنقل بين عدد من البلدان العربية والأجنبية، من بينها الجزائر وليبيا ولبنان وموريتانيا ومصر وفرنسا وهولندا، للتعريف بقضية شعبه وحشد الدعم السياسي والمادي والمعنوي لها. وقد لعب دورا محوريا في تأمين الدعم اللازم للمرحلة التأسيسية التي سبقت اندلاع ثورة العشرين من ماي الخالدة، والتي توجت لاحقا بالإعلان عن قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في 27 فبراير 1976. وقد اضطلع بذلك بصفته قائدا للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب وأول رئيس للجمهورية الصحراوية.
ولعل ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ النضال الصحراوي هو أن الولي لم يكن مجرد متعلم أو حامل لشهادة، بل كان في جوهره مثقفا عضويا بالمعنى التاريخي والوظيفي للكلمة، اضطلع بدور مركزي في إعادة تشكيل وعي الجماهير، ونقلها من حالة التشتت والخضوع إلى أفق الوعي الثوري المنظم. فقد حمل على عاتقه مهمة مزدوجة تمثلت في تبسيط مفاهيم الثورة والتحرر، وربطها بالواقع اليومي للإنسان الصحراوي، وترسيخ القناعة بأن الاستعمار، مهما تلونت أشكاله، لا يواجه إلا بالوعي والفكر والتأطير والتنظيم ورفض منطق التبعية.
إن استحضار خطب وكلمات ومقولات الولي، وحديثه إلى رفاقه والجموع الصحراوية، يكشف عن قائد فذ لم يكن أسير الشعارات، بل صاحب رؤية متكاملة استطاع أن يحول الفكرة إلى قوة مادية محركة للتاريخ، وأن يجعل من الكلمة أداة للتعبئة والبناء، وربط بشكل جدلي، بين النظرية والممارسة.
لقد جمع الولي بين أدوار متعددة في آن واحد، فكان القائد السياسي والعسكري، والمثقف العضوي، والصحفي الثوري، والدبلوماسي المناضل، وملهم الثورة، وفيلسوفها. استطاع الولي خلال فترة زمنية وجيزة لا تتجاوز ثلاث سنوات أن يؤسس جبهة تحرر، ويضع اللبنات الأولى للدولة الصحراوية، والأهم من ذلك أن يحرر وعي شعب كامل، والإسهام في بناء وعي وطني جديد نقل المجتمع من الروابط التقليدية من منطق ” دولة الوبر” القديمة إلى أفق دولة حضر ثورية حديثة، قائمة على الوعي والتنظيم، والهوية السياسية الواعية، والانتماء الوطني الذي يفخر به الصحراوي أينما حل وارتحل.
إن فكر الشهيد الولي ليس مجرد إرث تاريخي أو ذكرى نستحضرها في المناسبات، بل هو ثقافة وطنية متكاملة وعامل أساسي في تأطير الأجيال وبناء الوعي الجمعي القادر على مواجهة التحديات وحل المعضلات الاجتماعية. وإذا كانت الإرادة والعزيمة والخنادق والبنادق هي القلاع التي تحصن واحتمى بها الشعب الصحراوي ودافع من خلالها عن أرضه وكرامته في زمن الحرب، فإن فكر الشهيد الولي كثقافة مؤطره للأجيال يكتسب اليوم أهمية كبرى باعتباره مناعة القطيع وإحدى أهم أدوات حماية المشروع الوطني وتعزيز مقومات الدولة والاستقلال.
فطريق التحرير لا يمر عبر استعادة الأرض فحسب، بل يمر أيضا عبر بناء الإنسان القادر على صون تلك الأرض والدفاع عنها، ويمر أيضا عبر تعبيد الطريق لها من خلال تحرير فكر الفرد الذات الصحراوية من الجهل، والتردد، والضعف، والانقسام. ولذلك تظل معركة الوعي إحدى أهم معارك التحرر، لأنها تؤسس لمواطن يتحلى بالمسؤولية والانضباط والالتزام وروح التضحية، ويسهم بفاعلية في خدمة المشروع الوطني. وفي هذا السياق، تبرز الثقافة أهمية باعتبارها ليست شيئا جامدا أو معطى ثابتا، بل هي منظومة قيم ديناميكية ومتجددة. فكلما عمل الإنسان على تعزيز هذه المنظومة، ازداد قدرة على تحصين ذاته ومجتمعه من الانقسام والتشظي. ومن هنا يبرز دور المثقف العضوي، الذي لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسهم في تغييره من خلال إنتاج القيم والمعارف وتجديدها وتوجيهها بما يخدم المصلحة الوطنية ويدفع المجتمع خطوات إلى الأمام. ولعل الشهيد الولي مصطفى السيد يمثل نموذجا بارزا لهذا الدور، إذ جمع بين الفكر والممارسة، وبين النظرية والفعل، وبين الحلم الوطني والعمل اليومي لتحقيقه، تاركا مشروعا فكريا وثقافيا ما زال قادرا على إلهام الأجيال وتوجيهها نحو المستقبل.
لذلك قال الشهيد الولي “إذا أرادت القدرة الخلود للإنسان، سخرته لخدمة الجماهير”. فالإنسان يكتسب قيمته التاريخية بقدر ما يضع فكره وجهده في خدمة الشعب، وبقدر ما يتحول من مجرد مراقب للواقع إلى فاعل في تغييره وصناعة مستقبله. ومن هذا المنطلق، لا تعد خدمة الجماهير مجرد واجب أخلاقي فحسب، بل هي الطريق الذي يمنح الإنسان معنى وجوده وخلوده في ذاكرة الشعوب حتى بعد الممات.
وفي الختام، قد نكون من جيل لم يعاصر الشهيد الولي مصطفى السيد، ولم يجلس إليه أو يسمع صوته مباشرة، بل إن كثيرا منا ولد بعد استشهاده بسنوات طويلة. ومع ذلك، عرفناه من خلال فكره وأخلاقه وسلوكه ومواقفه ورؤيته التحررية التي ما زالت حاضرة في وجدان الصحراويين. لقد انتقلت إلينا أفكاره عبر ذاكرة المناضلين وشهادات رفاقه وتجربة شعب بأكمله، فأثرت في وعينا وشكلت جزءًا من هويتنا الوطنية. ولعل أعظم دليل على قوة ذلك الفكر أن أجيالًا لم ترَ الولي يوما آمنت بمشروعه الوطني وسارت على دربه، بل وقدمت التضحيات الجسام، ومن أبنائها من قدم نفسه قربانا للوطن دفاعًا عن الحرية والكرامة والاستقلال.
غير أن الوفاء الحقيقي للولي لا يقتصر على استحضار ذكراه في المناسبات، بل يقتضي أيضا إنصافه فكريا وتاريخيا، ونفض الغبار عن هذه الشخصية الوطنية الاستثنائية، والارتقاء بها إلى المكانة التي تستحقها على المستوى الإقليمي والدولي. فما زال الولي، رغم تأثيره العميق في تاريخ الشعب الصحراوي، يحتاج إلى المزيد من الدراسات الأكاديمية والبحوث العلمية والكتب والأفلام الوثائقية والروائية المترجمة إلى مختلف لغات العالم، حتى يتعرف الرأي العام الدولي على تجربته وفكره ورؤيته.
إن الولي ليس مجرد قائد ثورة أو مؤسس حركة تحرر، بل تجربة فكرية وسياسية متكاملة تستحق أن تدرس بعمق. فقد امتلك رؤية تحررية واستشرافية مبكرة، وفهما عميقا لبنية المجتمع الصحراوي وتحولاته، وقدرة لافتة على الربط بين الوعي والتنظيم والعمل السياسي والممارسة الثورية. ولذلك فإن المقارنة بينه وبين شخصيات عالمية مثل تشي غيفارا أو أنطونيو غرامشي ليست غاية في حد ذاتها، بل دعوة إلى دراسة فكره في سياقه الخاص وإبراز إسهاماته الإنسانية والسياسية التي لا تزال بحاجة إلى التعريف والبحث والتوثيق.
فالأشخاص يرحلون، لكن الأفكار العظيمة لا تموت. والولي مصطفى السيد رحل جسدا، لكنه بقي حاضرا في ضمير شعبه، وفي ذاكرة أجيال لم تعرفه ولم تعاصره، لكنها آمنت بفكره وتأثرت بأخلاقه وحملت رسالته. وذلك هو الخلود الحقيقي الذي لا تصنعه الأساطير، بل تصنعه المواقف والتضحيات والأفكار التي تواصل إلهام الأجيال وصناعة التاريخ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

الولي مصطفى السيد: إرث فكري لقائد سبق عصره وما زال يلهم الأجيال

by liga time to read: <1 min
0
إغلاق