كتاب وآراء

هل بدأت إسبانيا تتمرد على إملاءات الرباط؟

الشيخ لكبير مصطفى سيدالبشير

ليس من الصدفة أن تتزامن عودة الدفء إلى العلاقات الإسبانية الجزائرية مع إنفجار موجة غير مسبوقة من الهجرة غير النظامية من السواحل المغربية نحو مدينة سبتة الإسبانية، لأن توقيت هذه الموجة و ظرفها، يكفيان لوحدهما لإثارة جملة من التساؤلات، و الوقائع تمنحها مشروعية أكثر.

زيارة رئيس الحكومة الإسبانية سانشيز الأخيرة إلى الجزائر، حملت مؤشرات سياسية واضحة، على البدء في إعداد العدة، لإعادة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها، و أبانت عن تقارب في المواقف بشأن قضية الصحراء الغربية وضرورة إيجاد حل في إطار الشرعية الدولية، و هذه الجزئية بالذات، لن تمر مرور الكرام على الرباط، التي إعتادت ربط علاقاتها مع مدريد بموقف الأخيرة من النزاع.

صحيفة EL CONFIDENCIAL الإسبانية كشفت معطيات مهمة: نحو 1000 مهاجر وصلوا إلى المدينة خلال أسبوع واحد، بمعدل يقارب 200 شخص يومياً، فيما انتُشلت أربع جثث في يوم واحد، بينما تجاوزت نسبة الإكتظاظ في مراكز الإيواء 1600%، في أزمة إنسانية وأمنية غير مسبوقة.

هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم المأساة الإنسانية، بل تعيد أيضاً إلى الواجهة الإتهامات التي تثبت هذه الوقائع صحتها مرة أخرى: المغرب يستخدم الهجرة غير النظامية كورقة ضغط و إبتزاز و مقايضة، يلجأ إليها كلما أراد التأثير في القرارات الإسبانية و حتى الأوروبية و الدفع بها إلى صفه.

أي موقف أو خطوة أو موقع لأسبانيا أو أوروبا، لا ينسجم مع المصالح المغربية، ترتفع وتيرة العبور للهجرة غير القانونية بشكل لافت، في نمط تكرر أكثر من مرة خلال السنوات الماضية، و أصبح محل نقاش واسع داخل الأوساط السياسية و الإعلامية الإسبانية و الأوروبية، التي باتت تدعو إلى كبح جماح الرباط و تأدبيها.

اللافت في هذه الموجة، أنها جاءت مباشرة بعد خطاب ملك المغرب محمد السادس، الذي تغنى فيه بالإستقرار و التنمية و الإزدهار، غير أن مشاهد لمئات المغاربة، بينهم القُصر و النساء و هم يغامرون بحياتهم هرباً من الأوضاع في المغرب، تفند كل شيء، بل و تعلن عبر ردت الفعل هذه، أن ملكهم «كاذب» أو «غائب» أو «ساذج» أو ثلاثتهم معاً!

لقد أصبح من المستحيل تجاهل حقيقة، أن الهجرة لم تعد مجرد أزمة إنسانية، بل تحولت إلى أداة جيوسياسية تؤثر في موازين العلاقات بين الرباط و مدريد، و الظاهر أن صحوة إسبانيا هذه – و لو متأخرة – قد تكون نابعة من قراءة إستراتيجية للعلاقات: إحياء الشراكة مع الجزائر، وعدم حصر خياراتها الإقليمية في المغرب، تعكس خياراً ظل لسنوات أسير إعتبارات الأمن و الهجرة.

بعد أن تستقر الأوضاع الإسبانية الداخلية، بعد موجة الهجرة هذه و إجتياح الحرائق لعدد من مناطق البلاد، سنرى إذا كانت مدريد قد إستعادت قرارها السيادي أم لا؟ لأن المشهد السياسي الإقليمي يدخل مرحلة جديدة عنوانها رسم خارطة العلاقات البينية و إختبار حدود التأثير و مستوى الثقة و أروراق الرباط المعهودة كلها خارج السياق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

هل بدأت إسبانيا تتمرد على إملاءات الرباط؟

by liga time to read: <1 min
0
إغلاق