مقالات

توماس باربولو، القلم المناصر للقضايا العادلة

عبد الرحمن بدة

وُلد توماس باربولو عام 1958 في مدينة لا كورونيا بإسبانيا. ومنذ طفولته، كان على احتكاك مباشر بالثقافة العربية؛ ففي سن الثامنة انتقل مع عائلته إلى سيدي إفني، وهي مستعمرة إسبانية في جنوب المغرب، وأقام فيها حتى تسليمها إلى سلطات الرباط عام 1969. ومنذ ذلك الحين، استقر في مدينة العيون، عاصمة الصحراء الغربية، حتى اجتاحة”المسيرة الخضراء” عام 1975 اقليم الصحراء الغربية و التي يسميها الصحراويون “المسيرة السوداء”، و التي نظمة بعد الغزو المغربي و نهاية الوجود الإسباني في المنطقة بطريقة تخالف الشرعية الدولية المتمثلة في القرار الأممي رقم 1514 لسنة 1960 القاضي بتقرير مصير الشعوب المستعمَرة.

كان الكاتب والصحفي توماس باربولو مناصرًا ومدافعًا شرسًا عن القضية الصحراوية. زاول عمله الصحفي في صحيفة “إل باييس” التي كان مبعوثًا لها متنقلًا على نطاق واسع بين المغرب وموريتانيا والصحراء الغربية والجزائر والسنغال ومالي، وتناول فيها قضية نزاع الصحراء الغربية، كما كتب في مجلة “إكسبانسيون” التي كان أحد أعضائها المؤسسين، وفي صحيفة “لا غاسيتا دي لوس نيغوسيوس”، وصحيفة “إل سول” حيث شغل منصب نائب رئيس التحرير، وصحيفة “كلارين”، إضافة إلى صحف إسبانية ودولية أخرى.

في عام 2002 أصدر كتاب “التاريخ المحظور للصحراء الإسبانية”. وفي عام 2017، وضع القضية الصحراوية في قلب الأدب الإسباني من خلال روايته “مجمع الموتى”، الجزء الأول من سلسلته عن الشعب الصحراوي، والتي فازت بجائزة مهرجان خيخون نوار لأفضل رواية، وتُرجمت إلى الإيطالية والألمانية، وحُوِّلت إلى مسلسل إذاعي وختم ابداعه الادبي برواية اخرى عنوانها” العيون”.

ظل توماس باربولو يرافع عن قضية شعب الصحراء الغربية من خلال محاضرات في مختلف الجامعات والمنتديات الثقافية، رافعًا صوته منددًا بتخلي الإدارة الإسبانية عن التزاماتها كقوة إدارية، تاركة الصحراويين تحت وطأة المدرعات المغربية ووابل من النابالم والفوسفور الأبيض.

وفي إطار مواصلته مؤازرة القضية الصحراوية، سافر في ديسمبر/كانون الأول 2009 إلى العيون خلال إضراب أمينتو حيدر عن الطعام، ووثّق حصار الشرطة لمنزلها واضطهاد من حاولوا الاحتفال بعودتها، كما التقى بشخصيات حقوقية مثل سلطانة خيا وغيرها.

وبعد عام، عاد إلى مدينة العيون من جديد التي كانت قد احتلتها القوات المغربية عقب التفكيك العنيف لمخيم اكديم إزيك، وتضمنت تقاريره شهادات كثيرة لصحراويين كانوا هدفًا لعمليات إطلاق نار وسب وشتم وضرب وتعذيب، ووثّق فيها الاعتقالات الجماعية، وكشف عن جهود الرباط لطمس آثار المخيم وادّعاء أن ما حدث لم يكن سوى مطالب اجتماعية.

إن أسرة الكتّاب الصحراويين تقف إجلالًا واحترامًا لهذا القلم الذي كرّس حياته للدفاع عن القضية الصحراوية؛ فإذا كانت الإدارة الفرانكوية قد خذلت شعب الساقية الحمراء ووادي الذهب، فإن توماس باربولو ظل وفيًّا لأهل الصحراء، وظل يتذكر أبواب البيوت والخيام المفتوحة أمام الزوار يسودها جوٌّ منقطع النظير من الكرم وحسن الضيافة والأخوة والنوايا الحسنة.

اليوم وجّب على كافة مكونات الفضاء الثقافي الصحراوي، من كتّاب ومؤسسات ثقافية، الإشادة بهذا الكاتب والصحفي الكبير وتكريمه، كما يجب علينا أن نتذكر ونكرّم كتّابًا اسبان آخرين لا يزالون على قيد الحياة، أفنوا حياتهم في المرافعة عن حق الشعب الصحراوي، من أمثال الكاتب الكبير خوسي إغناسيو دالماسيس، الذي أصدر عشرات الكتب ومئات المقالات عن ثورة العشرين من ماي الخالد و م ومأسات اللجيين الصحراويين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

توماس باربولو، القلم المناصر للقضايا العادلة

by liga time to read: <1 min
0
إغلاق