مقالات

واشنطن بين الحزبين… اختلاف في الأساليب واتفاق في إطالة أمد النزاع

محمد لمام الديه أباه

قد ينظر إلى تراجع الجمهوريين في المشهد السياسي الأمريكي باعتباره انتصارا للقضايا العادلة وفرصة للعالم لالتقاط أنفاسه بعد مرحلة ارتبطت بسياسات الهيمنة وإشعال الحروب وتأجيج بؤر التوتر والانحياز إلى قوى الاحتلال، فضلا عن توظيف النفوذ الأمريكي لحماية حلفاء واشنطن من المساءلة الدولية، ولو على حساب القانون الدولي وحقوق الشعوب.

غير أن التجارب التاريخية تفرض قراءة أكثر عمقا، فالتناوب بين الجمهوريين والديمقراطيين لا يعني بالضرورة انتقال الولايات المتحدة من سياسة الهيمنة إلى نصرة العدالة، بل يعكس في كثير من الأحيان اختلافا في أساليب إدارة المصالح والنفوذ. فبينما يميل الجمهوريون إلى فرض الأمر الواقع والضغط المباشر، يفضل الديمقراطيون الخطاب الدبلوماسي والاحتماء بالمؤسسات الدولية، دون أن يترجم ذلك بالضرورة إلى مواقف حاسمة تنصف الشعوب المتضررة.

وتشكل القضية الصحراوية نموذجا واضحا لهذه الازدواجية. ففي عهد الجمهوري جورج بوش الأب، شهد عام 1991 وقف إطلاق النار وإنشاء بعثة المينورسو تمهيدا لتنظيم استفتاء تقرير المصير، غير أن هذا الالتزام ظل حبرا على ورق. وفي عهد الديمقراطي بيل كلينتون، برزت جهود جيمس بيكر لإحياء مسار التسوية دون تحقيق تقدم حاسم. ثم شهد عهد الجمهوري جورج بوش الابن طرح خطة بيكر الثانية سنة 2003، التي تضمنت استفتاء لتقرير المصير وحظيت بتأييد مجلس الأمن، لكنها لم تنفذ بسبب رفض المغرب لها.

أما في عهد الديمقراطي باراك أوباما، فقد استمرت الجهود الدبلوماسية دون اختراق جوهري، وفشلت محاولة توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان. وجاء التحول الأخطر في عهد الجمهوري دونالد ترامب، حين أعلنت إدارته في ديسمبر 2020 الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، في خطوة شكلت انحيازا صريحا إلى موقف الاحتلال المغربي ومحاولة لفرض واقع سياسي يتعارض مع حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.

لكن عودة الديمقراطيين بقيادة جو بايدن لم تؤد إلى التراجع عن هذا الاعتراف، رغم اختلاف الخطاب والتأكيد المتكرر على دعم المسار الأممي. وهنا تتجلى المفارقة: الجمهوريون يتخذون القرارات التي تكرس الأمر الواقع، والديمقراطيون يمتنعون عن تصحيحها، مكتفين بإدارة تداعياتها بلغة دبلوماسية أكثر هدوءا.

ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض سنة 2025، تعزز هذا التوجه، وصولا إلى قرار مجلس الأمن 2797، الذي منح المقترح المغربي للحكم الذاتي موقعا متقدما في المفاوضات، دون أن ينهي الوضع القانوني للقضية أو يسقط حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.

والحصيلة، بعد عقود من تعاقب الحزبين، أن القضية الصحراوية حققت مكاسب قانونية ودبلوماسية وحافظت على حضورها ضمن قضايا تصفية الاستعمار، لكنها لم تحقق هدفها الأساسي المتمثل في تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في تقرير المصير. بل تحول المسار من وعد بتنظيم الاستفتاء إلى مفاوضات مفتوحة، ثم إلى محاولات متزايدة لترجيح حلول لا تعكس بالضرورة الإرادة الحرة للشعب الصحراوي.

وهكذا يبدو التناوب الأمريكي، من منظور نقدي، أقرب إلى تبادل الأدوار منه إلى تغيير حقيقي في جوهر السياسة الخارجية: جمهوريون يفرضون الوقائع بالقرارات الأحادية وسياسة القوة، وديمقراطيون يعيدون تلميع صورة الولايات المتحدة بخطاب دبلوماسي ناعم، بينما تظل القضايا العادلة رهينة حسابات المصالح، حبيسة أروقة المفاوضات ومتاهات التسويف، فيتحول الزمن إلى أداة لاستنزاف الحقوق وإطالة أمد الصراعات.

وفي الاخير إن تراجع الجمهوريين قد يمثل نهاية مؤقتة لمرحلة سياسية اتسمت بالتشدد والصدام، لكنه لا يعني بالضرورة بداية عهد تنتصر فيه العدالة. فالقضية الصحراوية لا تحتاج إلى تغيير الوجوه في واشنطن بقدر ما تحتاج إلى تغيير السياسات، والانتقال من إدارة النزاع إلى إنهاء أسبابه، ومن الوعود الدبلوماسية إلى احترام حق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في تقرير مصيره.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

واشنطن بين الحزبين… اختلاف في الأساليب واتفاق في إطالة أمد النزاع

by liga time to read: <1 min
0
إغلاق