الاخبار

انتصار قضائي للهوية الصحراوية في ملفات الجنسية الاسبانية

محمد لمام الديه أباه

حقق عدد من طالبي الجنسية الاسبانية من ابناء الصحراء الغربية انتصارا قانونيا مهما، بعد معارك قضائية خاضوها من اجل تصحيح البيانات المتعلقة بمكان الميلاد والاصل في ملفاتهم الرسمية.

ويتعلق الامر بصحراويين تقدموا بطلبات الحصول على الجنسية الاسبانية عن طريق الاقامة، او ما يعرف بالاسبانية باسم “nacionalidad por residencia”، بعد استيفائهم الشرط العام المتمثل في عشر سنوات من الاقامة القانونية والمتواصلة والمباشرة في اسبانيا قبل تقديم الطلب. وهذا هو الاجل المنصوص عليه حاليا في المادة 22 من القانون المدني الاسباني. كما ان وزارة العدل هي الجهة المختصة بمعالجة طلبات الجنسية عن طريق الاقامة، حتى عندما تكون بعض بيانات الهوية مسجلة في وثائق صادرة عن الشرطة او وزارة الداخلية.

غير ان بعض المتقدمين الصحراويين فوجئوا بتسجيل مكان ميلادهم بصيغة “العيون، المغرب”، والتعامل معهم باعتبارهم من اصل مغربي، لمجرد حملهم جوازات سفر او وثائق صادرة عن السلطات المغربية. وقد رفض هؤلاء المتقدمون هذا التصنيف، مؤكدين ان الوثيقة المغربية التي يحملها الصحراوي في المناطق المحتلة لا يمكن ان تتحول الى دليل قانوني على مغربية الصحراء الغربية، ولا ان تلغي هويته الصحراوية.

وبعد لجوء بعضهم الى القضاء، صدرت احكام في ملفات فردية تقضي بتسجيل مكان الميلاد بصيغة “العيون، الصحراء الغربية”، بدلا من “العيون، المغرب”. ويعد ذلك انتصارا قانونيا ورمزيا مهما، لانه يميز بين الوثيقة الادارية التي يحملها الشخص وبين اصله الحقيقي والوضع القانوني الدولي للاقليم.

هذه الاحكام لا تعني ان جميع الملفات ستصحح تلقائيا، كما انها لا تمنح الجنسية الاسبانية بصورة مباشرة لكل صحراوي، لكنها تفتح بابا قانونيا مهما امام الصحراويين الذين يواجهون المشكلة نفسها. كما تؤكد ان الوثائق المغربية الصادرة تحت سلطة الامر الواقع لا تحسم مسالة السيادة، ولا تمنح الادارة الاسبانية الحق في تحويل الانتماء الصحراوي الى اصل مغربي من دون مراعاة الوضع القانوني الخاص للصحراء الغربية.

اتفاق مدريد لم يمنح المغرب السيادة

دخل المغرب الى الصحراء الغربية وفرض سيطرته على جزء كبير منها في اعقاب اتفاق مدريد الثلاثي الموقع سنة 1975 بين اسبانيا والمغرب وموريتانيا. لكن من الناحية القانونية، لم ينقل ذلك الاتفاق السيادة على الصحراء الغربية الى المغرب او موريتانيا، ولم يمنح ايا منهما صفة القوة المديرة المعترف بها دوليا.

وقد اكد المستشار القانوني للامم المتحدة ان اتفاق مدريد لم ينقل السيادة على الاقليم، ولم يمنح المغرب او موريتانيا صفة القوة المديرة، لان اسبانيا لم تكن تملك حق نقل هذه الصفة من جانب واحد. كما بقيت الصحراء الغربية مدرجة ضمن الاقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، بينما اعتبرت الامم المتحدة المغرب سلطة ادارة فعلية، وليس دولة صاحبة سيادة قانونية على الاقليم

وكانت محكمة العدل الدولية قد خلصت سنة 1975 الى عدم وجود روابط سيادة اقليمية بين الصحراء الغربية والمغرب من شانها تعطيل حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. ولذلك لا يمكن قانونا اعتبار مدينة العيون جزءا من المغرب لمجرد ان السلطات المغربية تسيطر عليها وتصدر وثائق لسكانها.

مسؤولية اسبانيا لم تنته

رغم انسحاب اسبانيا من الصحراء الغربية سنة 1976، فقد تبنت المحكمة الوطنية الاسبانية في قرارها رقم 40 لسنة 2014 موقفا قانونيا صريحا، مفاده ان اسبانيا ما تزال بحكم القانون، وليس بحكم الواقع، القوة المديرة للصحراء الغربية الى حين انتهاء عملية تصفية الاستعمار. كما اكد القرار ان الاقليم لا يمكن اعتباره مغربيا وفقا للقانون الدولي.

ويظل هذا الموقف من اهم المراجع القضائية الاسبانية التي يستند اليها المدافعون عن حقوق الشعب الصحراوي، رغم استمرار الخلاف السياسي والقانوني داخل اسبانيا بشأن مدى المسؤوليات العملية المترتبة عليه.

ومن هذا المنطلق، فان تسجيل “العيون، الصحراء الغربية” في الوثائق الاسبانية ليس مجرد تعديل شكلي، بل هو اعتراف بان المدينة تقع داخل اقليم ما يزال خاضعا لمسار تصفية الاستعمار، وان السيطرة المغربية ووثائقها الادارية لا تغير الوضع القانوني الدولي للاقليم.

قانون الجنسية الصحراوية يتقدم في البرلمان

يتزامن هذا الانتصار القضائي مع تقدم مقترح قانون منح الجنسية الاسبانية للصحراويين المولودين في الصحراء الغربية خلال فترة الادارة الاسبانية.

ففي 23 يوليو 2026، وافقت لجنة العدل في مجلس النواب الاسباني على نص القانون باغلبية 19 صوتا، مقابل ثلاثة اصوات معارضة و15 امتناعا، واحالته الى الجلسة العامة لمجلس النواب من اجل مناقشته والتصويت عليه. وينص المشروع على منح الجنسية عن طريق مرسوم التجنس للصحراويين المولودين في الصحراء الغربية قبل 29 سبتمبر 1977، مع تحديد مجموعة من الوثائق التي يمكن استعمالها لاثبات الاصل والميلاد.

كما يتيح النص لابناء المستفيدين من الدرجة الاولى حق اختيار الجنسية الاسبانية خلال مدة محددة بعد حصول احد الوالدين عليها. ويتضمن ايضا تعديلا مهما للمادة 22 من القانون المدني، بهدف تخفيض مدة الاقامة المطلوبة للصحراويين من عشر سنوات الى سنتين، على غرار الفئات التي تربطها باسبانيا علاقات تاريخية وثقافية خاصة.

لكن القانون لم يدخل حيز التنفيذ بعد. فالمرحلة المقبلة هي التصويت النهائي في الجلسة العامة لمجلس النواب، وبعد الموافقة عليه يحال الى مجلس الشيوخ. وحتى 31 يوليو 2026، لم يعلن رسميا عن موعد نهائي مؤكد للتصويت عليه في شهر سبتمبر.

انتصار يتجاوز الملفات الفردية

ان اعتماد عبارة “العيون، الصحراء الغربية” في ملفات الجنسية الاسبانية يمثل انتصارا لاصحاب هذه القضايا، لكنه يحمل ايضا دلالات اوسع للشعب الصحراوي.

فهو يؤكد ان الصحراويين المقيمين في المناطق المحتلة لا يصبحون مغاربة لمجرد حملهم وثائق مغربية فرضتها ظروف الاحتلال والادارة الفعلية. كما يعيد التذكير بان الصحراء الغربية اقليم منفصل عن المغرب من منظور القانون الدولي، وان هويتها ومستقبلها لا يمكن حسمهما من خلال جواز سفر او بطاقة ادارية صادرة عن القوة المسيطرة على الارض.

لقد اثبت هؤلاء المتقدمون، من خلال صبرهم ومعاركهم القانونية، ان الدفاع عن الهوية الصحراوية يمكن ان يحقق نتائج داخل المحاكم والمؤسسات الاسبانية. وقد تتحول هذه الاحكام الفردية، الى جانب تقدم قانون الجنسية في البرلمان، الى خطوة مهمة نحو انهاء التمييز الاداري الذي عانى منه الصحراويون لسنوات، والاعتراف بحقهم في وثائق تحترم اصلهم وهويتهم والوضع القانوني الحقيقي لوطنهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انتصار قضائي للهوية الصحراوية في ملفات الجنسية الاسبانية

by liga time to read: <1 min
0
إغلاق