
الجالية الصحراوية تتظاهر في قلب باريس رفضا للموقف الفرنسي وتنديدا بمحاولات الالتفاف على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير
باريس/ محمد لمام الديه أباه
شهدت العاصمة الفرنسية باريس، اليوم الأربعاء، وقفة احتجاجية نظمتها تنسيقية الجمعيات الصحراوية بباريس وضواحيها، أمام مقر وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية والبرلمان الفرنسي، للتنديد بالموقف الفرنسي المنحاز للطرح المغربي، والتعبير عن الرفض القاطع لكل المحاولات الرامية إلى الالتفاف على حق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال.
وجاءت هذه الوقفة الاحتجاجية في ظرف سياسي ودبلوماسي بالغ الحساسية، يتزامن مع التحركات الأمريكية الأخيرة بشأن قضية الصحراء الغربية، ومع اقتراب موعد التصويت المرتقب يوم 31 أكتوبر الجاري على مسودة أعدتها الولايات المتحدة الأمريكية بشأن بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، وسط مخاوف من محاولات الالتفاف على حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره بحرية، وفرض مقاربات سياسية تتعارض مع مبادئ الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
ورفع المشاركون في الوقفة شعارات وطنية قوية عبروا من خلالها عن رفضهم المطلق للموقف الفرنسي الداعم للاحتلال المغربي، مطالبين الحكومة الفرنسية بمراجعة سياستها تجاه قضية الصحراء الغربية، والانسجام مع المبادئ والقيم التي قامت عليها الثورة الفرنسية، وفي مقدمتها الحرية والمساواة والعدالة وحقوق الشعوب، مؤكدين أن هذه المبادئ لا يمكن أن تكون انتقائية أو أن تخضع لحسابات المصالح السياسية والاقتصادية على حساب الحقوق المشروعة للشعوب.
كما دعا المحتجون فرنسا إلى احترام التزاماتها الدولية والامتثال لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بتصفية الاستعمار، والكف عن دعم أي توجه من شأنه المساس بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، باعتباره حقا أصيلا تكفله المواثيق الدولية ولا يمكن تجاوزه أو المساومة عليه.
وشهدت الوقفة مشاركة أعضاء الجالية الصحراوية المقيمة بباريس وضواحيها، إلى جانب متضامنين فرنسيين مع القضية الصحراوية وممثلين عن نقابات وأحزاب سياسية فرنسية، في تعبير عن اتساع دائرة التضامن مع الشعب الصحراوي ورفض السياسات التي تتجاهل حقوقه المشروعة.
ولعل ما يميز هذه الوقفة أنها نظمت يوم الأربعاء، وهو يوم عمل ودوام رسمي في فرنسا، الأمر الذي يضفي دلالة خاصة على حجم الالتزام الوطني للمشاركين، الذين حرصوا، رغم ارتباطاتهم المهنية والتزاماتهم اليومية، على الحضور والتعبير عن موقفهم الثابت تجاه قضيتهم الوطنية. وهو حضور يعكس مستوى الوعي والمسؤولية لدى الجالية الصحراوية واستعدادها الدائم للدفاع عن حقوق شعبها وإيصال صوته إلى مراكز القرار السياسي والدبلوماسي.
وتخللت الوقفة هتافات وشعارات وطنية رددها المشاركون بحماس، إلى جانب كلمات ومداخلات أكدت التمسك بالثوابت الوطنية الصحراوية، ورفض كل المحاولات الرامية إلى فرض الأمر الواقع أو الالتفاف على الطبيعة القانونية لقضية الصحراء الغربية باعتبارها قضية تصفية استعمار لم تستكمل بعد.
وشدد المتدخلون على أن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال ليس موضوعا للمساومة أو التنازل، وأن أي مسار سياسي لا يحترم الإرادة الحرة للشعب الصحراوي لن يكون قادرا على تحقيق سلام عادل ودائم في المنطقة.
وتكتسي هذه الوقفة أهمية إضافية بالنظر إلى تزامنها مع حراك جماهيري ودبلوماسي واسع تشهده مختلف أماكن تواجد الصحراويين، سواء في مخيمات اللاجئين الصحراويين أو الأراضي المحتلة أو في أوساط الجاليات الصحراوية بالخارج، حيث تتواصل التحركات والفعاليات الاحتجاجية للتنديد بالمواقف المنحازة ومحاولات المساس بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الصحراوي.
ويعكس هذا الحراك المتزامن وحدة الموقف الوطني الصحراوي، ويؤكد أن اختلاف أماكن التواجد والظروف لا يغير من وحدة الهدف والمطلب، المتمثل في تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في تقرير المصير والحرية والاستقلال، وفق ما تنص عليه الشرعية الدولية.
وفي ختام الوقفة، تمت تلاوة البيان الختامي الذي جدد التأكيد على تمسك الجالية الصحراوية بثوابت القضية الوطنية ورفضها التام لأي مشروع أو مبادرة تنتقص من الحقوق المشروعة للشعب الصحراوي، كما تم تسليم رسالة موجهة من الشعب الصحراوي إلى وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، تضمنت موقفا رافضا للسياسة الفرنسية تجاه القضية الصحراوية، ومطالبة واضحة باحترام القانون الدولي وحقوق الشعب الصحراوي.
وبهذه الخطوة، تكون الجالية الصحراوية بباريس وضواحيها قد وجهت رسالة سياسية مباشرة من قلب العاصمة الفرنسية، مفادها أن الشعب الصحراوي، أينما وجد، سيظل متمسكا بحقوقه الوطنية، وأن محاولات الالتفاف على حقه في تقرير المصير لن تزيده إلا إصرارا على مواصلة نضاله السلمي والمشروع حتى تحقيق تطلعاته في الحرية والاستقلال.
كما أكدت الوقفة أن صوت الجالية الصحراوية سيظل حاضرا في الساحة الفرنسية والأوروبية، دفاعا عن قضية عادلة لا يمكن اختزالها في حسابات المصالح أو التوازنات السياسية، بل يجب التعامل معها في إطار القانون الدولي واحترام الإرادة الحرة للشعب الصحراوي.



