
في الأسابيع الأخيرة، شهدت منطقة الصحراء الغربية ومحيط الساحل الإفريقي تسارعا ملحوظا في الأحداث الأمنية والسياسية، مما يعيد الى السطح سؤالا جوهريا ظل مؤجلا لسنوات: هل من الممكن فعلا تحقيق “الاستقرار” في هذه المنطقة دن معالجة الجذور الحقيقية للنزاع الصحراوي وفقا للشرعية الدولية وحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره؟
الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة، وما أعقبه من إدانة من الولايات المتحدة، بالإضافة الى التطورات المتسارعة في مالي والساحل، فضلا عن الحوادث المتعلقة بالمناورات العسكرية الأمريكية المغربية في جنوب المغرب، ليست مجرد أحداث منعزلة أو وقائع أمنية عابرة. بل تعكس تحولات أعمق تؤثر على مستقبل التوازنات في غرب إفريقيا والساحل وهو ما أخرج إدارة واشنطن عن صوابها حيث يغرد بتنديد من واشنطن سفيرها لدى الأمم المتحدة ويكرر صداه في الرباط سفيرها لدى المخزن المغربي. إن هذه الوقائع تظهر حدود المقاربة التي سعت، في الأشهر الأخيرة الى تجاوز جوهر القضية الصحراوية عبر فرض واقع جديد بترويج فكرة أن مشروع ” الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية ” هو الحل الواقعي الوحيد للنزاع، لكن التطورات الميدانية الأخيرة على طول الحزام تشير الى أن ما يعرف ب ” الواقعية السياسية” لا يمكن أن تنجح إذا تجاهلت حقيقة أساسية: النزاع لايزال قائما، والشعب الصحراوي لم يتخل عن حقه المعترف به أمميا في تقرير المصير.
وما قصف مدينة السمارة للمرة الثالثة إلا رسالة سياسية واضحة: لا استقرار نهائياً في الصحراء الغربية خارج إطار تسوية عادلة ومتفق عليها والصحراويون لن يجلسوا في الخلف لكي يقرر لهم البعض من واشنطن أو باريس أو مدريد أي طريق يختارون.
المشكلة اليوم أن بعض الأطراف الدولية تحاول اختزال القضية في بعدها الأمني أو الاقتصادي، وكأن التنمية أو التحالفات العسكرية يمكن أن تحل محل الشرعية الدولية. غير أن تجارب المنطقة، من ليبيا إلى مالي وصولاً إلى أفغانستان، أثبتت أن الاستقرار القائم على التفوق العسكري أو الاعترافات الدبلوماسية وحدها، يبقى هشاً ولا يحل المشكل وقابلاً للانفجار عند أول أزمة. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما يجري في الصحراء الغربية عن التحولات الكبرى التي يعرفها الساحل الإفريقي. فالمنطقة بأسرها تعيش مرحلة إعادة تشكل جيوسياسي عميق: تراجع النفوذ الفرنسي، صعود الأنظمة العسكرية، تنامي الحضور الروسي والتركي، واتساع رقعة الفاعلين المسلحين. وسط هذا المشهد المضطرب، تتحول الصحراء الغربية تدريجياً من “نزاع محدود” إلى عنصر مؤثر في معادلات الأمن الإقليمي والتجارة العابرة للصحراء وهذا ما على الأمريكيين أن يدركوه جيدا ويأخذه الأوروبيون بعين الاعتبار.
ولعل حادثة حرق قافلة الشاحنات المغربية في شمال مالي قرب الحدود الموريتانية يوم أمس، تحمل دلالة سياسية وأمنية تتجاوز بعدها الميداني المباشر، إذ تضرب صورة “الممرات الآمنة” و”الواجهة الأطلسية” التي تسعى الرباط إلى تقديمها كشريان استراتيجي نحو العمق الإفريقي. كما تكشف أن أي محاولة لبناء مشاريع إقليمية فوق أرض نزاع غير محسوم، تظل عرضة للهشاشة والتوتر، بل الفشل النهائي.
أما الولايات المتحدة، فتبدو اليوم أمام معادلة معقدة. فهي من جهة تسعى إلى الحفاظ على الاستقرار ومحاصرة التمدد الروسي والصيني في الساحل، ومن جهة أخرى تدعم المغرب باعتباره حليفاً وظيفيا. لكنها في المقابل، لا تستطيع إلغاء الحقيقة القانونية والسياسية التي تؤكدها الأمم المتحدة منذ عقود: الصحراء الغربية إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي، وشعبه يمتلك حقاً غير قابل للتصرف في تقرير المصير.
ولهذا يظل الخطاب الأمريكي متذبذباً بين دعم “الحكم الذاتي” سياسياً، وبين الحرص على عدم إسقاط المرجعية الأممية بشكل كامل. فواشنطن تدرك أن فرض حل نهائي دون موافقة الصحراويين قد لا ينتج سلاماً مستداما، بل قد يفتح الباب أمام دورة جديدة من عدم الاستقرار في منطقة أصبحت أصلاً شديدة الهشاشة، فقذائف “لكراد” تسقط اليوم على السمارة وغدا لامحالة “الدرون الإنتحاري” ربما يتجاوز حدود الإقليم، ليضرب مراكش وأكادير ولما لا عاصمة الاحتلال المغربي نفسها.
إن أهم ما تكشفه التطورات الأخيرة هو سقوط فكرة أن الوقت وحده كفيل بإنهاء القضية الصحراوية. فبعد عقود من الرهان على إنهاك الصحراويين دبلوماسياً وعسكرياً، تعود القضية اليوم لتفرض نفسها مجدداً في قلب التحولات الإقليمية.
لقد أثبتت الوقائع أن تجاوز حق تقرير المصير لا يلغي النزاع، بل يعيد إنتاجه بأشكال أكثر تعقيداً. ومن هنا، فإن أي مقاربة تبحث عن استقرار حقيقي في الصحراء الغربية لا يمكن أن تنجح عبر الضغوطات والتهديدات أو فرض الأمر الواقع أو عبر التحالفات العسكرية فقط، بل عبر تسوية سياسية عادلة تستند إلى الشرعية الدولية وتمكّن الشعب الصحراوي من ممارسة حقه الحر في تقرير مصيره.
أما غير ذلك، فلن يكون سوى استقرار مؤقت فوق أرض قابلة للاشتعال أكثر في أي لحظة والصحراويون لن يقبلوا الجلوس في المقاعد الخلفية للوصول الى الحلول المشبوهة.


