
قراءة في جوهر المباحثات الأخيرة بين طرفي النزاع في الصحراء الغربية
محمد حسنة الطالب
أحيطت المباحثات التي عقدت يوم 8 فبراير الجاري بين جبهة البوليساريو والمملكة المغربية بمقر السفارة الأمريكية بمدريد ، بدرجة عالية من السرية والتكتم الملحوظ ، لكن وبحكم تتبعنا لمختلف مراحل النزاع في الصحراء الغربية وتطوراته ، يمكننا تقديم قراءة مبسطة لفحوى هذا الإجتماع وفي هذا الصدد نسجل الآتي :
1- حضور الطرف الصحراوي معززا بما أقرته الشرعية الدولية بخصوص القضية الصحراوية ، وبخيار الشعب الصحراوي غير القابل للمساومة ، والمتمثل في تجسيد حقه الراسخ في تقرير المصير والاستقلال.
2- حضور الطرف المغربي معولا على مقترح الحكم الذاتي الممطط بأربعين صفحة من الأكاذيب والمغالطات ، بغية ذر الرماد في عيون الراعي الأمريكي لهذه المباحثات ، الذي يتزعمه مستشار الرئيس الأمريكي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا مسعد بولس .
3- حضور الطرفان المراقبان الجزائر وموريتانيا ، الذين يعترفان بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية ،ويتبنيان قرارات ومواثيق الشرعية الدولية الصادرة بشأن النزاع في الصحراءالغربية .
4- حضور المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة السيد ستيفان ديمستورا في إشارة ضمنية مفادها أن هذا اللقاء يأخذ بعين الإعتبار المسار القانوني الذي كان ومازال المرجعية الشرعية المعتمدة في التسوية المتفق عليها من قبل طرفي النزاع، جبهة البوليساريو والمملكة المغربية .
كل هذا الحضور الوازن تشرف عليه الولايات المتحدة الأمريكية ، وبدون شك يحرص ممثل الرئيس الأمريكي مسعد بولس على ستماع شيء إيجابي بخصوص الحل الأمثل للنزاع في الصحراء الغربية ، وذلك من خلال أراء الأطراف الحاضرة التي يمكن أن تساعده في المضي قدما على تذليل الصعاب ، لكن ما قدمه الطرف المغربي من تفاصيل مبهمة بخصوص الحكم الذاتي كان دون المتوقع ، وهو ما أثار حفيظة الراعي الأمريكي وجعله يصف الطرف المغربي بالمعرقل وغير الجاد في التوصل الى حل مقنع يأخذ بعين الإعتبار كل الظروف والمزايا التي يفترض أن يؤسس لها مقترح الحكم الذاتي الحقيقي المزعوم .
أما بخصوص التعاطي المسؤول ، الواقعي والمعقول الذي أبداه الطرف الصحراوي ، فيبدو أنه راق للراعي الأمريكي ، لا سيما وأن دور جبهة البوليساريو يكمن في ضرورة إستشارة الشعب الصحراوي حول الطرق التي من شأنها ضمان حقه في تقرير المصير طبقا للتعريف الحصري المعتمد في ميثاق الأمم المتحدة لهذا المبدأ .
الخلاصة :
أ- حضور وزير الخارجية الصحراوي الى جانب وزير الخارجية المغربي ينفي صفة الوهمية التي ينعت بها النظام المغربي الدولة الصحراوية ، ويضلل بها الشعب المغربي المغلوب على أمره .
ب- هناك إختلاف على مفهوم ودلالات عبارة “تقرير المصير” ويجب العودة إلى المعنى الحقيقي المحدد في قرارات ومواثيق الأمم المتحدة.
ت- الحكم الذاتي لا يمكن أن يكون حلا متفق عليه بين الطرفين حتى وإن تطلب ذلك تغيير الدستور المغربي بكامله .
ث- لابد من البحث عن حل منصف ومتفق عليه يقارب وجهات نظر الطرفين ، وهذا لا يمكن أن يكون إلا إستفتاء حر ، عادل ونزيه يختار من خلاله الشعب الصحراوي بين مختلف الخيارات المطروحة وعلى الطرفين الإلتزام به وإحترام نتائجه .
ج- إتضح جليا من خلال هذه المحادثات أن الطرف المغربي يسعى الى المماطلة واللعب على عامل الوقت ، وبالتالي فهو غير جاد حتى في فرض الحكم الذاتي كحل ، لأن ذلك سيفتح عليه العديد من الأبواب التي كانت موصدة في الداخل المغربي بفعل القمع والإكراه .
د- مما لا شك فيه ، أن الطرفين الملاحظين الجزائر وموريتانيا ، يسعيان الى إستتباب الأمن والإستقرار في منطقة شمال غرب إفريقيا وتجسيد التعاون والتكامل بين دولها بما يخدم شعوبها في النماء والرقي والإزدهار ، وهو الهدف الذي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية الى إستثماره في إطار مصالحها الإستيراتجية ، ومن هذا المنطلق يمكن أن تنصب معظم الضغوط على المغرب كونه الوحيد الذي يغرد خارج هذا السرب ، وينبغي عليه الإمتثال لما فيه الخير لمنطقة المغرب العربي التي تربطها حدود جغرافية وعلاقات تاريخية وثقافية تحتاج الى التفعيل .
ه- بناء على النقاط السالفة الذكر ، فإن النظام المغربي سيتحمل فشل المفاوضات في المستقبل ، وعليه أن يبرر أسباب ذلك للطرف الأمريكي الذي يرعى هذه المباحثات ويسعي الى إحداث نقلة نوعية في ملف الصحراء الغربية الشائك منذ زمن ..



