كتاب وآراء

هل ما تزال الأدوات الدبلوماسية المعتمدة قادرة على مواكبة التحولات الدولية؟

بقلم: محمد فاضل الهيط

لم يعد سحب الاعتراف بـالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية من طرف بعض دول العالم، وآخرها مالي المجاورة، مجرد حدث دبلوماسي عابر يمكن احتواؤه ببيانات معينة أو تفسيره ضمن ضغوطات ظرفية. ما يجري في العمق هو تحوّل تدريجي في البيئة السياسية والدبلوماسية المحيطة بالقضية الوطنية، تحوّل إذا لم يُقرأ بوعي استراتيجي، فقد يفضي إلى واقع يصعب تغييره لاحقًا.

المشكلة لا تكمن في قرار منفرد يأتي في ظرف متميز، بل في تراكم القرارات وتواليها؛ فكل سحب اعتراف، وكل فتح قنصلية، وكل تنظيم تظاهرة ذات طابع إقليمي أو قاري في المناطق المحتلة، مهما بدا ذلك محدود الأثر، فإنه يضيف لبنة في بناء سردية مضادة.، عنوانها تراجع الاعتراف الدولي – دول الشمال الأوروبي السويد مثالا- وتآكل الإجماع الإفريقي الذي شكّل لعقود أحد أعمدة القوة المعنوية للقضية الصحراوية. ومع مرور الوقت، لا يبقى النقاش محصورًا في حق تقرير المصير، بل ينزاح نحو ما يسمى بالواقعية السياسية وحدود الممكن، وهو انزياح خطير ينقل القضية من موقع ريادة الحق إلى موقع تبرير الدفاع عن هذا الحق.

صحيح أن الأمم المتحدة ما تزال تتعامل مع الملف ضمن مسار تصفية الاستعمار، وأن الاتحاد الإفريقي يحتفظ باعترافه بالجمهورية الصحراوية، غير أن الاكتفاء بهذه الشرعية القانونية لم يعد كافيًا في عالم تحكمه موازين النفوذ بقدر ما تحكمه المبادئ. فالمعادلة الدولية اليوم لا تُحسم فقط بمن يملك الحق، بل بمن يملك الحضور والتأثير والقدرة على تمرير السردية.

في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مراجعة صريحة داخل جبهة البوليساريو. فهل ما تزال الأدوات الدبلوماسية المعتمدة قادرة على مواكبة تحولات القارة الإفريقية والعالم؟ وهل الخطاب السياسي الموجّه للخارج يلامس فعليًا أولويات الدول، أم أنه لا يزال أسير مقاربات تقليدية لم تعد تقنع سوى المقتنعين أصلًا؟ الأهم من ذلك، هل الحضور في الساحات المؤثرة حضور فعلي ومؤثر، أم أنه في كثير من الأحيان يظل رمزيًا أو ظرفيًا؟

الواقع يشير إلى فجوة آخذة في الاتساع: تحرك دبلوماسي نشط وسريع من طرف الخصوم، في مقابل تحرك يغلب عليه طابع رد الفعل – وقد أشرنا الى ذلك في مقال سابق- وهذه معادلة غير متكافئة في زمن تُكافأ فيه المبادرة ويُعاقب فيه التردد.

إن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من دبلوماسية تقليدية إلى دبلوماسية هجومية، لا تكتفي بالحفاظ على المكتسبات، بل تسعى إلى توسيعها. ويتطلب ذلك إعادة تعريف المعركة باعتبارها صراعًا على النفوذ بقدر ما هي صراع على الشرعية، مع توسيع دوائر الاهتمام نحو الدول الإفريقية الصاعدة.

كما أن تحديث الخطاب السياسي أصبح ضرورة لا خيارًا. فربط القضية حصريًا بمبدأ تصفية الاستعمار لم يعد كافيًا لإقناع شركاء دوليين جدد، ما لم يُدعّم بطرح يبرز انعكاسات النزاع على الاستقرار الإقليمي، خصوصًا في منطقة الساحل، ويخاطب المصالح الأمنية والاقتصادية للدول، وإقناع ذوي المصالح الجيو- اقتصادية في المنطقة بأن أي مسعى لعرقلة أو القفز على حق الشعب الصحراوي في اختيار مستقبله سيكون ثمنه غاليا على السلم والأمن وعلى من يبحث عن النفوذ في المنطقة. إن القيم المبدئية والإتكاء على الشرعية الدولية وحدها أصبحت لا تكفي في الوقت الحاضر.

ولا تقل أهمية عن ذلك معركة التأثير غير الرسمي، عبر الإعلام الدولي ومراكز البحث ومنظمات المجتمع المدني، حيث تُصاغ اليوم كثير من القناعات التي تتحول لاحقًا إلى مواقف سياسية. فالحضور في هذه الفضاءات لم يعد ترفًا، بل جزءًا أساسيًا من أي استراتيجية ناجحة.

وربما الأهم من كل ما سبق هو الانتقال من منطق “رد الفعل إلى منطق الاستباق”. فبدل انتظار إعلان سحب اعتراف جديد، يصبح من الضروري العمل المبكر داخل الدول المعنية، وبناء جسور تأثير تحول دون اتخاذ مثل هذه القرارات أو على الأقل تَحدّ من احتمالها.

ورغم التحديات، فإن نافذة الفرصة لم تُغلق بعد. فما يزال المسار الأممي قائمًا تحت إشراف الأمم المتحدة، وما يزال الاتحاد الإفريقي يوفر إطارًا مؤسساتيًا داعمًا. غير أن هذه المعطيات لا ينبغي أن تُفهم كضمانات دائمة، بل كفرص تحتاج إلى استثمار واعٍ وسريع.

إن ما يحدث اليوم هو، في جوهره، لحظة اختبار حقيقية. فإما أن تنجح جبهة البوليساريو في إعادة تموقعها كفاعل دبلوماسي مبادر وقادر على التأثير، أو أن تظل أسيرة ردود الفعل، إلى أن تجد نفسها أمام واقع دولي جديد، بل إقليمي حتى لا نقول جهوي تشكّل دون مشاركتها الفعلية.

التاريخ لا ينحاز فقط إلى عدالة القضايا، بل أيضًا إلى قدرة أصحابها على الدفاع عنها بذكاء ومرونة وفعالية.

 

يبقى السؤال الملح: هل ماتزال أدواتنا الدبلوماسية المعتمدة قادرة على مواكبة التحولات الدولية؟؟؟

 

بقلم: محمد فاضل الهيط

 

 

رابطة الصحفيين والكتاب الصحراويين بأوروبا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

هل ما تزال الأدوات الدبلوماسية المعتمدة قادرة على مواكبة التحولات الدولية؟

by liga time to read: <1 min
0
إغلاق