كتاب وآراء

هل الجزائر أصبحت جزءًا من “الأمن الطاقوي الأوروبي”؟

محمد فاضل الهيط

تشهد الجزائر في السنوات الأخيرة تحركات دبلوماسية واقتصادية متسارعة أعادت طرح سؤال جوهري: هل تتجه الجزائر فعلًا لتكون قطبًا جيو سياسي وجيو اقتصاديً في شمال أفريقيا وجزءا من الأمن الطاقوي الأوروبي؟  لفهم هذا التحول، لا بد من قراءة ما يحدث في سياقه الدولي والإقليمي، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها اليوم سوق الطاقة العالمي.

أول ما يجب التأكيد عليه هو أن صعود الجزائر لا يأتي من فراغ، بل يرتبط بشكل مباشر بالتحولات التي أعقبت العملية الخاصة الروسية في أوكرانيا 2022، والتي أدت إلى إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية. فقد وجدت أوروبا نفسها أمام ضرورة تقليل اعتمادها على الغاز الروسي، مما دفعها إلى البحث عن شركاء بديلين يتمتعون بالقرب الجغرافي والاستقرار السياسي. في هذا السياق، برزت الجزائر كخيار استراتيجي بفضل موقعها الجغرافي واحتياطاتها الكبيرة من الغاز، إضافة إلى بنيتها التحتية القائمة التي تربطها مباشرة بأوروبا من خلال انابيب الغاز المتصلة بإيطاليا وبإسبانيا.

هذا الظرف الدولي الاستثنائي استغلته الجزائر بقدر من البراغماتية، حيث سارعت إلى تعزيز صادراتها من الغاز، وإعادة التفاوض حول بعض العقود، وتكثيف علاقاتها مع شركاء أوروبيين رئيسيين مثل إيطاليا وإسبانيا، بل وفتحت المجال أمام دول أخرى مثل البرتغال. هذا التوجه يعكس انتقال الجزائر من موقع الشريك التقليدي إلى موقع الطرف الذي يمتلك هامش مناورة أوسع في التفاوض.

ومن أبرز المؤشرات على هذا التحول، مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يربط بين نيجيريا والجزائر مرورًا بالنيجر. هذا المشروع الذي ستنطلق به الأشغال قريبا لن يجعل الجزائر مجرد مُصدر للطاقة، بل سيحولها إلى محور عبور استراتيجي يربط بين موارد غرب أفريقيا والأسواق الأوروبية. وهنا يكمن التحول النوعي: من دولة منتجة إلى دولة محورية في سلاسل الإمداد الطاقوي الشيء الذي فتح أعين الأوربيين خاصة بعد تكرار حروب الشرق الأوسط وأزماته التي لا تنتهي.

في المقابل، تشهد أوروبا نفسها عملية “إعادة تموضع” واضحة. فبعد خسارة الغاز الروسي وتراجع الثقة في الشريك الأمريكي وعدم ضمان سلسلة الإمدادات الشرق أوسطية، تسعى أوروبا إلى تنويع شركائها ومصادرها الطاقوية. هذا التوجه لا يقتصر على البحث عن بدائل، بل يعكس أيضًا إدراكًا متزايدًا بأهمية جنوب المتوسط في تحقيق الأمن الطاقوي الأوروبي. ونتيجة لذلك، أصبحت الجزائر ساحة تنافس بين عدة دول أوروبية، بل تنافس داخل أوروبا نفسها على كسب الجزائر وتعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي فيها، في هذا الإطار يأتي الإنزال الذي نشهده اليوم لرؤساء حكومات إيطاليا ثم اسبانيا وبعدهما البرتغال واللائحة مفتوحة. إن تزامن هذه الزيارات ليس صدفة كما أشرنا، بل يعكس تشكيل إعادة خريطة استيراد الطاقة أوروبيا بالاعتماد على مُوردين قريبين وطرق إمداد آمنة والجزائر خيار منطقي ومضمون، فإيطاليا تتحرك بقوة من خلال شركة ENI وهي التي تريد أن تصبح “مركز توزيع الغاز في الساحة الأوروبية”، من جهتها اسبانيا تحاول الحفاظ على علاقاتها رغم التوتر السابق والبرتغال تدخل على الخط.

أما على مستوى العلاقات الدولية، فقد انعكست هذه التحولات على توازنات تقليدية، خاصة فيما يتعلق بعلاقة الجزائر مع فرنسا. فبينما كانت فرنسا تاريخيًا الشريك الأكثر نفوذًا، بدأت تفقد تدريجيًا هذا الامتياز لصالح قوى أخرى من داخل أوروبا أكثر براغماتية في تعاملها الاقتصادي، وعلى رأسها إيطاليا ومن خارج أوروبا تركيا والصين وغيرهما.

في المحصلة، يمكن القول إن الجزائر تقف اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة، حيث تلاقت عوامل داخلية (الموارد والموقع) مع ظروف دولية مواتية (أزمة الطاقة وإعادة تموضع أوروبا). غير أن تحويل هذه الفرصة إلى قوة دائمة يتطلب رؤية استراتيجية بعيدة المدى – الشيء الذي ليس بالغائب عن صُناع القرار في الجزائر – تقوم على استثمار عائدات الطاقة في بناء اقتصاد متنوع، وتعزيز موقعها كمحور إقليمي لا يمكن تجاوزه.

وعليه، فإن الجزائر لها القدرة اليوم على فرض شروطها وجذب الاستثمارات اليها ورفع وزنها السياسي وبلا شك تسير في هذا الاتجاه، مستفيدة من لحظة دولية قد لا تتكرر لتصبح جزءًا من “الأمن الطاقوي الأوروبي” بدون منازع.

كاتب و محلل من الصحراء الغربية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

هل الجزائر أصبحت جزءًا من “الأمن الطاقوي الأوروبي”؟

by liga time to read: <1 min
0
إغلاق