كتاب وآراء

العداء الأمريكي الإيراني: ماهي أسبابه وماهي الخلفيات وراء تصعيده حاليا؟

محمد حسنة الطالب

شهدت إيران عام 1979 قيام الثورة الإسلامية وخروج الإيرانيين في مظاهرات وإضرابات مناهضة لنظام حكم محمد رضا بهلوي الموالي للولايات المتحدة الأمريكية وخادم مصالحها أنذاك ، وبعد أسبوعين من تلك الأحداث عاد الزعيم الديني الإسلامي آية الله الخوميني من منفاه في فرنسا ، وبعد انتصار الثورة الإسلامية ، التي رفعت شعار “الموت لأمريكا” في 11 فبراير 1979، تم تنصب الخميني على رأس الدولة الإيرانية ، بعد استفتاء في الأول من إبريل من نفس السنة، وهنا يكمن مسار التحول السياسي بين طهران و واشنطن ، حيث ظلت أمريكا في نظر الخميني الزعيم الروحي لتلك الثورة ، هي العدو الأول للبشرية، وناهبة ثروات العالم وأكبر عدو للإسلام والمسلمين في شتى أرجاء الأرض، ومنذ ذلك التاريخ ومناوشات العداء مستمرة بين هذين البلدين حتى اليوم .
حدث ذلك في أثناء مرحلة شهدت إصطفافات دولية وراء قطبين كبيرين، هما الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفيتي، وإتسمت بالسباق نحو التسلح والحرب الباردة ، التي إمتدت بين هذين القطبين منذ سنة 1945 وإلى غاية 1990 ، وإنتهت بتفكك الأتحاد السوفيتي في 26 من شهر كانون الأول من عام 1991م ، وسمحت بتسيد أمريكا للعالم وتقمصها لقب “القطب  الواحد”.
روسيا التي كانت تتزعم جمهوريات الإتحاد السوفيتي ، لم تتحمل ما آلت إليه الأوضاع جراء الإستبداد الأمريكي والإستهداف الممنهج لها بكل الوسائل ، بدءا بالعقوبات الإقتصادية ومختلف الضغوطات السياسية عليها، وإنتهاء بالتغول على مصالحها في العديد من أرجاء المعمورة، الشئ الذي جعل يدها مقلولة إلى صدرها، وحط من قدرتها على التنافس فترة من الزمن.
 هذه الظروف دفعت بروسيا إلى الثأر، وإعتماد خطة مدروسة تمكنها من إعادة الإعتبار لنفسها كقوة يحسب لها حسابها في العالم إلى جانب أمريكا ، حتى وإن كان ذلك على المدى البعيد، وكانت وسيلتها لتحقيق ذلك الحلم، هو إبداء نوع من التأييد لكل عمل عدواني تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية، من شأنه إضعافها في آخر المطاف وتحطيم صورتها كقوة عظمى لا تجارى إقتصاديا وعسكريا ، وبالتالي دفعها الى التورط الدائم والمباشر في قضايا ومناطق نزاع قد تنهكها مع مرور الوقت، وما وجود قواعد عسكرية لها في الخليج وفي غيره ، ودعمها السخي لإسرائيل ، التي تعد جبهتها الأمامية ، وسيفها المسلول في الشرق الأوسط، للسيطرة على مقدراته المختلفة وتحالفها في الحرب على أفغانستان، وعلى العراق وليبيا، ودعمها للمعارضة في سوريا ، والحرب التي تقودها السعودية في اليمن ، وإختلاقها للإرهاب والجماعات الإسلامية المتشددة، إلا بوادر جدية لزعزعة الإستقرار في العالم، ولتحقيق ذلك الشرق الأوسط الجديد ، الذي تبنته الولايات المتحدة الأمريكية ذات يوم على لسان وزيرة خارجيتها آنذاك كوندوليزا رايس ، عندما نشبت الحرب بين إسرائيل وحزب الله عام 2006 ، تلك الحرب التي حالت من خلالها جبهة المقاومة في لبنان دون تحقيق ذلك الشرق الأوسط الموعود أمريكيا وإسرائيليا ، عندما ألحقت بالجيش الإسرائيلي أشد الهزائم ، وهي المدعومة من إيران ، التي تصطف حاليا إلى جانب روسيا ، الشئ الذي فرض على أمريكا وإسرائيل مراجعة سيناريوهاتهما في المنطقة ، وربما اللجوء إلى خطط بديلة .
 هذا وكان من قبيل الديمقراطية ، أن يحصد دونالد ترامب المهوس بالتسلط والإبتزاز  أصوات الناخب الأمريكي ، الكافية ، التي أوصلته إلى سدة الحكم في أمريكا في 20 يناير 2017 ، بدعم روسي ، أخفته المصالح الآنية والأهداف المستقبلية التي ترنو إلى تحقيقها دولة روسيا الإتحادية .
من هنا بالضبط إزدادت المناورات ، وعرفت حرب الوكالة رواجا بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا ، غير أن روسيا حافظت على النأي بنفسها عن أي تدخل مباشر في ما يجري على ساحات التنافس مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهو مالم تحذر منه هذه الأخيرة التي حشرت نفسها في العديد من القضايا عن طريق التدخل السافر ، والإعتداءات العسكرية الظالمة ضد الغير، ولعل إستهدافها لقائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، الراحل قاسم سليماني بالعراق ، كان أحدث هذه التجاوزات ، لا بل كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير وكشفت المستور ، وأشعلت جذوة العداء الإيراني الأمريكي من جديد ، وجعلته يتجاوز حدود التهديدات اللفظية المعروفة ، إلى ضربات عسكرية محسوسة على أهدف بعينها ، في إطار الصراع على المصالح وتعزيز النفوذ.
على أي وبناء على ما سبق، وحسب تقديري الخاص ، فأن العملية التي إستهدفت قاسم سليماني بالعراق في 3 يناير 2020، كان مخطط لها مسبقا طبقا للإستراتيجية الإيرانية الروسية الهادفة إلى الزج بالولايات المتحدة الأمريكية إلى الهاوية ، قصد النيل من غطرستها العسكرية وهيمنتها السياسة والإقتصادية ، وجعلها تقرأ درسا في التواضع وفي قيمة الإستقرار حاليا ومستقبلا.
حدث هذا في الوقت الذي كسبت فيه روسيا بالخصوص الكثير من الوقت لتطوير ترسانتها العسكرية وتقوية ذاتها وبسط نفوذها من خلال تعزيز تحالفاتها على أسس إقتصادية ، سياسية وعسكرية صلبة ، بإستطاعتها الصمود في وجه أمريكا وحلفائها إذا ما تجاوزوا حدود الصبر الإيراني والروسي خصوصا .
في هذا السياق ، وفي إطار الكمائن والشراك التي يضعها التحالف الروسي في طريق العجرفة الأمريكية ، فإنه من غير المعقول أن تكون المخابرات الأمريكية والإسرائيلية ، تبحث عن قاسم سليماني لتصفيته كلما سمحت الفرصة بذلك، وبأدق الوسائل المتاحة لها، ومع هذا كله، تدفع إيران بقاسم سليماني أحد كبار قادتها العسكريين ومهندسي تواجدها في العراق ، إلى عبور مطار بغداد دون تدابير أمنية محكمة ومشددة لحمايته ، هذا بالضبط ما يثير الإستغراب في هذه العملية ، ويجعلنا نقول أن قاسم سليماني كان بالفعل طعما ، ألقت به إيران ومن ورائها الدب الروسي ، لإستدراج الأمريكيين إلى الوقوع في فخ الخطط الروسية المبيتة منذ تفكك الإتحاد السوفيتي ، والرامية إلى فك شفرة الهيمنة الأمريكية التي طال أمدها ، وهذا ما جعل الرد الإيراني ، يكون تعبيرا فعليا عن القدرة على الدفاع والردع، التي يتوفر عليها حلفاء روسيا، وبالتالي كان المهم بالنسبة لإيران هو وصول صواريخها الباليستية ، إلى أهدافها المحددة دون إعتراض ، وهو ما حصل بالفعل بغض النظر عن طبيعة الأضرار والخسائر ، التي قد تخلفها .
هذا الرد الإيراني فرض على ترامب إبتلاع ريقه وعدم التصعيد برد آخر كما كان يتوعد ، متذرعا في الأخير بعدم وجود أية خسائر في صفوف قوات بلده ، وأن الأمور على مايرام ، بعد التحقق مما أسفرت عنه الصواريخ الإيرانية على قاعدتي عين الأسد وإربيل، الهامتين بالنسبة للقوات الأمريكية المتواجدة في العراق ، ولحفظ ماء الوجه الأمريكي جاء الرد على الرد الإيراني متمثلا في فرض المزيد من العقوبات الإقتصادية على إيران، في الوقت الذي يسعى فيه الكونغرس الأمريكي إلى الحد من صلاحيات ترامب في بعض الأمور العسكرية، وهو ما يعد ضربة أخرى قد تساهم في تراجع شعبيته، وتقليص حظوظه في الفوز بعهدة رئاسية ثانية لأمريكا.
إن الهدف البعيد الذي تسعى إليه إيران ومن ورائها روسيا، هو إبداء أمريكا نوعا من المرونة تجاه البرنامج النووي الإيراني، بالإضافة إلى جلاء قواتها من العراق ، وهو الأمر الذي سيترتب عنه تلقائيا إنسحاب بقية قوات التحالف ، لتخلوا بذلك الساحة لمعسكر روسيا ، ويكون هذا الأخير قد حقق إنتصارا إستراتيجيا مهما.
بهذا التطور في الأحداث ، يكون الحلف الروسي ، قد أرسل إشارات قوية لأمريكا وحلفائها، تنبأ بأن عهد الهيمنة وأحادية القطب قد ولى، وأن الأمور أصبحت تخضع لدراسة وتقييم للمواقف والقرارات، وحساب لكل خطوة غير مدروسة حسابها.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق