مقالات

جنيف الثانية و بوريطة يعود الى مَعْزته!

محمد فاضل محمد سالم

كما كان متوقعا أُختتمت يوم أمس الجمعة الجولة الثانية من المائدة المستديرة بين جبهة البوليساريو و المملكة المغربية تحت إشراف المبعوث الشخصي للأمين العام السيد هورست كوهلر و بحضور وفدي البلدين المجاورين موريتانيا و الجزائر.

و إذا كانت الجولة الأولى التي تمت في شهر ديسمبر الماضي هي بمثابة تعبير عن النوايا و كسر للجمود والإستعداد للبدء في حوار جدي و هادف، فإنه من المفروض أن تَعرف الجولة الثانية تقدما فعليا بالتطرق الى قضايا جوهرية والإنتقال الى أمور عملية تُعزز الثقة وتدفع في إتجاه الحل الذي يضمن حق تقرير المصير للشعب الصحراوي كما نص عليه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2440.

و إن كانت هذه الجولة لم يصدر عنها الشيء الكثير، لكنها كشفت حقيقة الرسائل المغلوطة التي حاول التستر ورائها الوفد المغربي بعد إنتهاء لقاء ديسمبر الماضي و إظهار نفسه بالمتجاوب والمتعاطي مع مجهودات السيد كوهلر وبالتالي مع جميع أطراف المائدة المستديرة ، بحكم أن الجولة الأولى لا تكلفه شيء إنما هو تعبير عن النوايا، إلا أن الجولة الثانية ذهبت الى الغوص في عمق المشكل ومناقشة كيفية التوصل الى حل سياسي مقبول للطرفي نزاع الصحراء الغربية يكون هذا الحل حسب ماورد في البيان الذي قدمه السيد كوهلر للصحافة بعد موافقة وفدي الطرفين عليه أن يكون ” واقعيا و عمليا و مستداما وعلى أساس من التوافق و عادلا و دائما من شأنه أن يكفل حق تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية بموجب قرار مجلس الأمن 4240″ .

الشيء الذي أزال الستار عن النوايا الحققية للمغرب وبقي وفده محرجا يبحث عن تأويلات زائفة وتفسيرات مغلوطة لمبداء حق تقرير المصير وكأن بقية الوفود الحاضرة تلاميذ أغبياء لا يفقهون في القانون المواثيق الدولية شيئا، وحاول جاهدا أن يفسر ما لايمكن تفسيره ولا استيعابه بأن ” تقرير المصير” يساوي “الحكم الذاتي” و”الإستفتاء” يساوي “الحكم الذاتي” وأيضا ” الإستقلال هو بالذات الحكم الذاتي و لا شيء غيره” و عاد سي بوريطة الى معزته و لو طارت.

كل الخيارات غير مقبولة إلا خيار الحكم الذاتي و باقي العروض و الإقتراحات ساقطة، فهذه هي الأنانية بعينها بل قمة الإشتراط والإخلال بمبداء المفاوضات الغير مشروطة التي ينص عليها قرار مجلس الأمن الدولي، كما يسفه مبداء الواقعية التي حث عليها نفس القرار ، اذ على مدى 45 سنة فشلت كل المقاربات من هذا النوع وغيره التي تقصي المعني الوحيد و الرئيسي في تقرير المصير الذي هو الشعب الصحراوي الذي هو وحده له الحق أن يختار مستقبله فلا المغرب و لا حتى جبهة البوليساريو يمكنهما أن يحددا للشعب الصحراوي أن يكون مع الله أو مع الشيطان بمعنى أن يختار ما يراه مناسبا له.

إنه حق غير قابل للتصرف و منذ 1963 والأمم المتحدة تؤكد هذا الحق بل تصف المغرب بالمحتل للصحراء الغربية و عليه تبقى قضية الصحراء الغربية مسجلة ضمن اللجنة الرابعة لتصفية الإستعمار كإقليم مازال لم يحدد مستقبله و لم يتمكن من تقرير مصيره.

إن الوفد المغربي ربما وجد نفسه يُغرد خارج السرب أثناء هذه المحادثات التي أوقعته في ورطة لا هو أتى بالجديد ليقدم الحوار و لا هو تخلى عنه وبقي كالبليد يبحث عن معادلة غير موجودة وهذا ما جعل رئيسه السي بوريطة تعتليه ” النرفزة ” والإرتباك أثناء الندوة الصحفية القصيرة التي عقدها بالمناسبة التي ظل يعلك خلالها روايته حول مبداء تقرير المصير.

إن على المغرب أن يدرك أن الرهان على الوقت أصبح غير ممكن فلا المجتمع الدولي و لا مجلس الأمن و لا جبهة البوليساريو و لا الدولتين الجارتين سيبقوا يسايروه في مسعى المغالطات والتنصل من الواقعية والجدية والمسؤولية في احترام قرارات مجلس الأمن وعليه أن يدرك بعد أن جرب كل الحلول الباطلة خلال المدة الفائتة، بأنه من الواضح كما جاء في بيان جبهة البوليسارية ” أن الحل الوحيد العملي والواقعي والدائم هو الحل الذي يمنح شعبنا حقه في تقرير مصيره بحرية ودون شروط مسبقة ، ودون موافقة الشعب الصحراوي لا يمكن أن يكون هناك حلا دائما من شأنه تعزيز سلام حقيقي يمهد الطريق لصحراء غربية حرة ومزدهرة وديمقراطية تساهم في توطيد السلام والاستقرار والأمن والاندماج في المنطقة”.

على المغرب أن ينزل من بٌرجه العاجي و يَخرج من منطق التقوقع و الإنغلاق الى ماهو أفضل له و لشعوب المنطقة السلام و الإستقرار، فلربما في الجولة الثالة القادمة لن تطير معزة السي بوريطة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق