كتاب وآراء

المشروع الوطني وماآلاته( الجزء الثالث) الخطاب السياسي كوعي ذاتي بالحقبة التاريخية.

ليست هناك حاجة إلى القول بأهمية الخطاب السياسي كوعي ذاتي جماعي بالحقبة التاريخية وأداة لدراسة الواقع واستنباط القوانين وتشكيل مجموع الآراء السياسية التي توجه المشروع الوطني،لأنه ليس فقط لسان التنظيم السياسي ،بل عقله وروحه،
ونحن في الجزء الثالث من مقالات المشروع الوطني ومآلاته وبعد ما قدمنا مسألة الفكر, والفكر النقيض في محاولة لرسم الحدود الفاصلة ،بين خط الثورة الصحراوية, فكرا وممارسة, وبين الإنزلاق إلى مواقع الفكر النقيض .
أصبحنا ملزمين ،بدراسة الخطاب السياسي: عوامل تطوره،كيفية إنتاجه ،مصادره المعرفية،وهل الجوهر الإيديولوجية أصيل في المعرفة ام مضاف إليها ؟
وقبل أن نبدأ بتفكيك هذه الأسئلة, لا بد أن نشير إلى أننا نقصد تحديدا المفاهيم المستعملة بمعناها المفاهيمي وليس الاصطلاحي، فالإيديولوجيا مثلا وهي المعرفة اصطلاحا, بعلم الأفكار، فهي في المعنى المفاهيمى تنقسم إلى أيديولوجيا إيجابية :جوهر خطابنا السياسي, وإيديولوجية سالبة هي جوهر الخطاب السياسي المعادي.
ويتبين مما سلف أن المعنى المفاهيمي للإيديولوجية هو الإنتماء إلى الفكر العلمي أو إلى الفكر النقيض مما يصبح على مستوى الممارسة :ان الخلايا والفروع والتنظيمات بجميع اشكالها وحتى الجمعيات المدنية يتحدد انتمائها و اصطفافها إلى جانب المشروع الوطني اولا بممارسة خطاب التنظيم السياسي،وثانيا بالإنتماء الصريح إلى الجبهة الشعبية لتحرير الساڭية الحمراء وواد الذهب.
تعتبر جميع المعارف ،الفلسفة والآداب, والفنون ,والسينما ,والمسرح ,والعلوم الإنسانية, والعلوم الحقة ,والدين ,مصدر للجوهر الإيديولوجي المكون الأساسي للخطاب السياسي.
من هذه المعارف ما هو وطني صرف, ومنها ما هو عالمي بحكم عالمية الحضارة والمعرفة كإنتاج إنساني،وإذا كان الأمر كذلك وقد سلمنا جدلا بان احد ادوار التنظيم السياسي هو إنتاج الجوهر الإيديولوجي للخطاب السياسي،وابرازه،وقولبته في أراء سياسية محددة ،تشكل لاحقا قاعدة الوعي الجماعي،حينما تصل إلى العامة عبر وسائل التواصل المجتمعي في العملية المعروفة قديما ,بتثقيف الجماهير، ومهما بدٱت هذه الفكرة سليمة إلا أنها ناقصة فعلى الرغم من أنها تساعدنا على فهم ما يجري في الواقع إلا أنها لا تشمل كل جمهور المبدعين في الحقل الفكري : الأديب ,والفيلسوف والفنان التشكيلي, والطبيب ,وغيرهم ،ممن ينتجون حقيقة الجوهر المعرفي وبما أن القائمين على التنظيم السياسي يشكلون عددا من هؤلاء المبدعين،وبما ان التنظيم السياسي يملك أدوات إيصال المعرفة إلى العامة أو على الأقل يجب أن يمتلكها ،فهو يمارس الرقابة على الإنتاج الفكري ,وتقويمه ليصبح ملائما للمشروع الوطني ،ويجعل غالبية الشعب توافق عليه وتتبناه , وهنا تبدأ ممارسة السلطة على الإنتاج الفكري وتمتد إلى جميع حقول الإنتاج المجتمعي.لا شك أن هناك من يجادلني في مسألة الرقابة والتقويم ،وتكمن ضرورتها أي الرقابة في كون هذا الوعي الزائف الذي هو المكون الأساسي للغزو الثقافي، وإفساد الوعي, يتسلل دائما بين هذه المعارف خصوصا منها الأفكار الرجعية الباكية على أطلال ما قبل الثورة، أو التي تحمل المخملية الإيديولوجية للغة تلك الأفكار السادجة والبريئة في ضاهرها والمسمومة في باطنها، بمعنى ان عملية الرقابة والتقويم فرضت على التنظيم السياسي من خلال الصراع الإيديولوجي المفروض عليه,كما فرض على البودية ان تتحول إلى دين، في صراعها مع الأديان الأخرى، وقد كانت مجرد تعاليم فلسفية.
يبدو واضحا تماما أن المتمرد هو أحد هؤلاء المبدعين الذين يشاكسون هذه الرقابة:
فإذا كان يعارضها من داخل التنظيم ولكنه يمتثل لها ويعتبرها ضرورية لصيانة المشروع الوطني من الإيديولوجيا السالبة فهذا هو المعارض _ المصلح ،ويعتبر مشاركا رائدا في عملية إنتاج الجوهر الإيديولوجي الموجب لخطابنا السياسي، أما إذا كان هذا المتمرد لا يمتثل لهذه الرقاب وينتج خطابا نقيضا يصطف من خلاله مع خطاب العدو فهذا يسقط في خيانة المشروع الوطني سواء بشكل مدبر ومُعَدُُّ سلفا مع العدو ،أو المعارض الذي يمارس وعيا زائفا بحقيقة الواقع وتجافي افكاره الضرورة التاريخية،وفقط لأنه ينزلق إلى مواقع الفكر النقيض بشكل لا واعي ,لتلقية جرعات من إشاعة الغموض حول الواقع الإجتماعي ومن الدعاية المغرضة وما إلى ذلك،ويعتبر هذا النوع حتى إخطر من النوع الأول لأنه يخدم اجندة الإحتلال بالمجان.
من خلال ما سبق يبدو أن الجوهر الإيديولوجي هو موجود اصلا في المعرفة وينتج معها وهو أحد خصائصها وهو ما يعزز لدينا القول بأن بان المعرفة تنتج للحاجة لها، وهو ما يدعم ايضا جدلية العلاقة, بين الفكر كوعي يعبر عن الواقع ويعكسه على مستوى الإدراك ،وبين الواقع الذي يتكون أساسا من جميع المتغيرات أو النشاط اليومي لأفراد المجتمع . ولكن تأويل الجوهر ، وإعطائه شكل أدبيات التنظيم السياسي هو إلى جانب كونه خطابا سياسيا هو حقيقة انعكاس ومؤشر للتطور التاريخي الطبيعي للشعب،بكل أفراده, كل في مجال تخصصه،ينتج المعرفة من الواقع الإجتماعي، وينتج الواقع الإجتماعي من المعرفة،طبعا ليس ببساطة هذه الجملة ،لأن العملية هائلة ومعقدة ،ولا يمكن إخضاعها للتحليل العلمي إلا في اجزائها المنفصلة عن بعضها.
وإذا أخذنا على سبيل المثال الجيل الأول لهذا المشروع الوطني ,وكيف استطاع أن يحدث اغراض جديدة للآداب المعروفة قديما ,ندرك بشكل قطعي أن أسباب النجاح تكمن في إنتاج خطاب سياسي وطني ،ثوري،علمي ،وواضح،فمثلا انتقل الشعر الحساني من أغراض المدح والهجاء والرثاء وهلم جرا, إلى غرض آخر وهو تمجيد الثورة والتغني بها (الثورة زينة وانا ويلالي في الأغنية،أو رسم صورة المقاتل وأدواته في شعر مجموعة من الشعراء كالمرحومين بادي محمد سالم و بيبوه ولد الحاج, اي اصبحت هذه المعارف تعبر عن الواقع الجديد وتعكسه في الإدراك الذاتي الجماعي دعما للمشروع الوطني وتعبيرا عن آماله. وهو الشئ الذي جعل من هؤلاء الأدباء والفنانين : شخصيات وطنية. هذه الآداب كجزء من الوعي الذاتي الجماعي, كأدوات للتوعية والمرافعة تحتاج إلى مجلد لدراسة خصائصها والواقع الذي أنتجها و كونها تعبيرا عن العملية التاريخية في ظروف غير طبيعية تجسد عمق الارتباط بين الفكر الصحراوي الواعي والإبداعي الحسي وبين عملية التغيير الشامل أي الثورة ،والتضحيات التي فرضتها عملية المقاومة ،كرد فعل على الإعتداء في جملتها.ــ
علينا حقيقة, أن نفرق بين الثورة كتغير شامل للمستويات الفكرية والإنتاج المجتمعي وبين المقاومة التي هي رد فعل موجه لردع المعتدي الخارجي.ـــ ،كما في الأغنية الوطنية :على سبيل المثال لا الحصر ،أغنية الصحراء ماتنباع والوظائف الإيديولوجية لهذا الأدب المحلي الذي يعتبر تجربة خاصة للنهوض الفعلي بالمعرفة الوطنية للتعبير عن الواقع الجديد.
هناك مجال آخر للانفتاح على المعرفة العالمية وتوظيف جوهرها الإديولوجي، خصوصا ما يتلاءم منها مع المشروع الوطني، فمثلا اعنية الفقيدة مريم منت الحسان :حيو يالثوار، تٱتي على ذكر مفردات من الآداب الثوري العالمي:
كالإشتراكية،والتقدمية و الرجعية،والإمبريالية.
ومن خلال هذا المثل نبرهن مقولتين سالفتين في هذا المقال.
أولهما أن الجوهر الإيديلوجي لخطابنا السياسي ننتجه من المصادر الفكرية او المعرفية المحلية والعالمية على السواء ولكن بشكل إنتقائي، لأنه قد نجد هناك قصيدة شعرية حسانية تكسبية تمجد الديكتاتور او الإحتلال.
وثانيهما أن استعمال الجوهر الإيديولوجي للآداب الثوري العالمي يحدد اصطفافها إلى جانب الثورة العالمية وحركات التحرر العالمية ويعزز ماقلناه ان من يستعمل الخطاب المعادي في نقد المشروع الوطني فهو يصطف إلى جانب العدو .
وخطاب العدو هذا الذي يجب أن نسلط عليه الضوء كمساهمة في توعية الجماهير هو نقيض التحليل العلمي ــ مبدأ من المبادئ الستة عشر ــ وهو ما سميناه الجوهر الإيديلوجي السالب الذي ينقل إلى الإدراك الذاتي الجماعي وعي زائف حول واقع المشروع الوطني بإشاعة الغموض حوله عن طريق الدعاية المغرضة وتشويه الرموز،وإشاعة الأخبار الكاذبة…. ووسائل أخرى جد متطورة تنقل عن طريق الصوت والصورة أو السمعي البصري صورة ونموذجا مغلوطا عن الواقع الإجتماعي وبالتالي وعي زائف حول هذا الواقع إلى لا وعي المتلقي :ويركز هذا النموذج على التفسخ الأخلاقي وضرب الهوية عن طريق الغزو الثقافي وخلق نسخة غير اصلية من الثقافة الصحراوية وإنتاج خطاب زائف لخلق رأي نقيض للمشروع الوطني, يحمله المغتربين فكريا والذين يدافعون عن الوطن بخطاب الإحتلال.
حقيقة يتعين علينا أن نجيب بأنفسنا عن الأسئلة المطروحة علينا حاليا وحل المعضلات التي تواجهنا لتقويم اي اعوجاج يمكن أن يطرأ علينا بفكر علمي ونقد صريح ،ولكن قراءة علمية في تجربة الجيل الأول ستساعدنا على فهم مرحلة مهمة من مراحل التطور التاريخي للشعب الصحراوي و تساعد على فهم إشكاليات الحاضر ومعالجة المشاكل.
تصيبنا الحيرة عند طرح السؤال إلى من نعزي المردودية الهائلة للجيل الأول للثورة باعتبار جدلية الفكر والواقع: هل إلى الواقع الإجتماعي أو إلى عبقرية الشهيد الولي ورفاقه ؟؟؟؟
ترتبط ،عبقرية الزعيم السياسي بمدى معرفته الدقيقة بكل، أوجل هذه المصادر المعرفية التي تغني الخطاب السياسي ،بل ترتبط كذلك بقدرة العبقري على إنتاج الأدلة والبراهين التي لم يتعلمها من أحد هذه الأدلة والبراهين الخاصة هي أكثر إقناعا للناس وهي كذلك الدليل على العبقرية.
ولا شك أن عبقرية الشهيد الولي رحمة الله عليه تتجلى بالخصوص في موافقة أفكاره الشخصية للضرورة التاريخية وقدرته على التعبير عنها،في وقت لم يكن غالبية حتى واعين بهذه الضرورة.
وقد كانت للشهيد الولي رحمة الله عليه قدرة استثنائية ،ليس فقط على فهم الإيديولوجيا السالبة وتحليلها علميا ودحضها بل كذلك على قراءة الإيديولوجيا الإيجابية السائدة عالميا واستغلالها في التوعية من جهة وفي التحالف من جهة اخرى ،وهذا يجسد قدرته الإبداعية في مضمونها الإجتماعي والسياسي ،وهي صفات العبقرية التي تنتج عن فهم الذات للواقع فهما عميقا وتتخلص من ضغطه،حيت كرس كل طاقاته ،وحماسته الهائلة وجعل وعيه يشتمل كلية على بناء المشروع الوطني،وأن أفعاله تجاوزت حدود الوطن إلى تطوير علاقات على مستوى العالم.
ليس هناك من يستطيع أن يجادلنا بأن عبقرية الشهيد الولي مصطفى السيد رحمة الله عليه كبرت بالقدر الذي كانت تعبر به عن الأماني الدائمة للشعب الصحراوي، ويتقدم الشعب الصحراوي بما في ذلك الشهيد الولي ورفاقه في التنظيم إلى ما وراء حدود زمانهم ،لأن التغيير الذي قاموا به في المضامين الاجتماعية والسياسية كان من الشمولية والقوة بالقدر الذي فرض على العالم الإنتباه له.
كان الشهيد محاطا بجيل من الرجال والنساء لم يكتفو بتبني الوعي السائد بل كانت لهم الشجاعة الكافية من أجل فرض قناعاتهم.
ونحن اليوم نؤمن إيمانا عميقا بأن الشهداء الميامين كانوا ينظرون بعين الحق ،هنيئا بعشرين ماي الخالدة وكل الوطن أو الشهادة.
*- الجزء الأولhttps://www.splsahara.org/?p=8764&preview=true
*- الجزء الثاني : https://www.splsahara.org/?p=8767&preview=true

بقلم : حسان ميليد علي

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق