كتاب وآراء

قضية الصحراء الغربية وإحتمال الحل‎

لم يعد في العالم اليوم من يصدق تلك المفاهيم الجذابة التي يستخدمها الغرب كلما راودته أحلام الهيمنة والتسلط على أماكن إستراتيجية من العالم ، فتوظيف القانون ومواثيق الشرعية الدولية ، والحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان لغرض تحقيق مصلحة معينة في بلد ما ، لم يحدث أن حل مشاكل شعب من الشعوب المستهدفة أو دفعه إلى الإستقرار التام أو الإستقلال بما يحمله من معاني سامية ، وكل ما في الأمر أن هذه العناوين هي مجرد شعارات يلقى بها إلى الشارع كالطعم الذي يجذب الضحية إلى المصيدة ، إنها خدعة ينتهجها الغرب ويسعى من ورائها إلى تنصيب أنظمة عميلة تخدمه وتعزز نفوذه في مختلف أنحاء المعمورة ، ولنا أمثلة في الأنظمة الحاكمة في دول الخليج العربي وبعض دول أمريكا اللاتينية ، وفي المغرب الأقصى وغيره ، كما لنا أمثلة على الأثر السلبي الذي تركه هذا التوجه على طموحات الشعوب والمجتمعات ، وخير دليل على ذلك الكوارث التي سببتها ثورات الربيع العربي التي حولت دولا نامية إلى دول فاشلة .

هذه المفاهيم إذن هي مجرد حبر على ورق بالنظر إلى قوة المصالح التي تحتكم إليها السياسة الدولية اليوم ، لذلك لا تعتد بها كل من فرنسا وإسبانيا في النزاع الدائر في الصحراء الغربية بين جبهة البوليساريو والمملكة المغربية ، والأهم بالنسبة لهما هو تحقيق مصالحهما وتعزيز نفوذهما في المنطقة المغاربية تحديدا ، طبقا لأجندات أمنية وإستراتيجية  تموهها مواقف هاتين الدولتين بإعتبار مزيف للشرعية الدولية ولقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ، وعليه كانت نواياهما دائما في واد وسياساتهما التضليلية في واد آخر ، فكم من مرة هددت فرنسا بإستخدام حق النقض إعتراضا على بعض المساعي والتوجهات التي تقرها هيئات الشرعية الدولية بشأن القضية الصحراوية ، وكم من مرة أبانت عن إنحيازها الواضح للإحتلال المغربي دون حياء ، وهي أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي ، الذين يفترض فيهم إحترام الشرعية الدولية قبل غيرهم وتجسيدها بالفعل في الواقع ، لا بالشعارات والمغالطات الواهية .

إسبانيا أيضا التي إستعمرت الصحراء الغربية ردحا من الزمن وتعد إلى جانب كل من  ( الولايات المتحدة الأمريكية ، فرنسا ، بريطانيا ، روسيا ) من ضمن مجموعة أصدقاء الصحراء الغربية ، تسير بدورها عكس التيار من أجل الحفاظ على مصالحها المتفق عليها مع المغرب منذ إحتلاله اللا شرعي للصحراء الغربية ، تلك المصالح والعلاقات التي تتعرض في كل مرة للتشنج والتنافر بسبب الإبتزاز بملفات يحركها المغرب ضد إسبانيا على رأسها ملف الهجرة السرية والمخدرات والجريمة المنظمة ، ردا على بعض المواقف الإسبانية من بينها مواقف بعض الأحزاب وخاصة اليسارية  المؤيدة لجبهة البوليساريو مثل بوذيموس الذي هو أحد مكونات حكومة الإئتلاب الحالية  بإسبانيا ، تلك الملفات أيضا أصبح يستعملها المغرب حتى مع الإتحاد الأوروبي لتغيير مواقفه من القضية الصحراوية ، وإرغامه في إطار الشراكة مع المغرب على تجاوز الأحكام الصادرة عن محكمة العدل الأوروبية بخصوص النهب الممنهج وغير الشرعي لثروات الصحراء الغربية ، الأمر الذي قدمت بموجبه جبهة البوليساريو طعونا إلى المحكمة المذكورة يجري تداولها حاليا في جلساتها ، ومن بين المدعى عليهم في هذا الصدد سارعت كل من فرنسا وإسبانيا إلى التدخل ضد البوليساريو وهذا دليل واضح على تفضيل مصالحهما على الشرعية التي تقرها أعلى هيئة قضائية في قارتهما العجوز ، لهذا السبب الذي يعد من بين عدة أسباب أخرى لم تحظ قضية الشعب الصحراوي بدعم جدي من قبل بعض من مراكز القرار الرسمي في أوربا خاصة ، التي يمكن أن تكفل للشعب الصحراوي حقه المشروع في تقرير المصير والإستقلال ، أو على الأقل توفر له حظه من حماية حقوق الإنسان المنتهكة بالأجزاء المحتلة من وطنه ووقف النهب الممنهج لثرواته الطبيعية التي تستغلها دول من الإتحاد الأوروبي بغير وجه حق وفي تعارض تام لقرارات محكمة العدل الأوروبية الصادرة بهذا الشأن .

هذا الكيل بمكيالين لم يترك أيضا شعوب المنطقة المغاربية تجسد تطلعاتها نحو التنمية والتكامل والإستفادة الكاملة من خيراتها ، لأن تحقيق ذلك يعني تبدد نفوذ هاتين الدولتين الإستعماريتين وتعرض مصالحهما للخطر .

إن المعطيات التي نطالعها في الواقع المغربي اليوم ، بدءا بتحوله المتعلق بالتطبيع مع إسرائيل ، ومقايضة القضية الفلسطينية بالقضية الصحراوية وإقامة علاقات تعاون وإستثمار واسعة مع إسرائيل في العديد من المجالات ، وتبدد مواقف النظام الملكي المساندة للقضية الفلسطينية ، وإفتضاح سياسته المبنية على الضغوطات وشراء الذمم والمواقف ، علاوة على إنعكاسات الحرب الدائرة في الصحراء الغربية التي بدأت تطال مناطق من التراب المغربي ، كل هذا زاد من تململ الشارع المغربي وغليانه على هذا الصفيح الساخن ، في وقت تغيرت فيه نبرة الخطاب الفرنسي تجاه القضية الصحراوية ، الذي نذكر منه تهنئة نائب رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي بيار لوران مؤخرا للرئيس الصحراوي إبراهيم غالي بمناسبة الذكرى ال 45 لإعلان الجمهورية الصحراوية ، والتي تلمح إلى شئ ما يطبخ في الكواليس لصالح القضية الصحراوية ، وما الفتور الذي تشهده مواقف فرنسا حاليا من الوضع السائد في المغرب ، إلا تقاضيا عما يتخبط فيه النظام المغربي من أزمات مختلفة ، ومحاولة فرنسا تدارك الأمور قبل فوات الاوان للحفاظ على مصالحها المهمة والتي لا تقدر بثمن في المنطقة المغاربية وفي الساحل والصحراء ، خاصة وأن الدبلوماسية الجزائرية بدأت تعرف نشاطا مهما في توحيد مواقف دول الإتحاد الإفريقي من بعض القضايا التي تقف حجرة عثرة أمام تحقيق آمال الشعوب الإفريقية التي مازالت تعاني من ويلات الإستعمار ومخلفاته .

إسبانيا هي الأخرى بدأت تستشعر الخطر على مصالحها في الصحراء الغربية بإعتبارها القوة المديرة للإقليم ، وهذا ما يفسره التوتر الحاصل في العلاقات الإسبانية المغربية والتأجيل المتكرر للقمة التي كانت تجمعهما سنويا والتي لم تحصل إلى حد الساعة ، فمنذ إرساء المغرب علاقاته مع إسرائيل ودخول الإمارات العربية المتحدة على الخط ، وحديثه عن إسترجاع مدينتي سبتة ومليلة ، أحست إسبانيا بأن البساط قد يسحب من تحت أقدامها ، ولذلك كان رد وزيرة خارجيتها حادا تجاه هذا التحول الخطير .

في هذا الإطار أيضا لا يمكن تغييب التوازن الذي بدأ يشهده العالم وأصبحت تفرضه كل من الصين وروسيا أكثر من أي وقت مضى ، وتدعمه كل الدول الناقمة أصلا على السياسات الظالمة للقطب الواحد ، التي عبثت بمقدرات الشعوب وحقها في العيش بحرية وكرامة ، وهذا عامل آخر ينضاف إلى ما سبق ذكره من معطيات وتحولات ، قد ترجح تخلى فرنسا عن النظام الملكي في المغرب عاجلا أم آجلا ، وربما إستبداله بنظام جمهوري لتهدئة الشارع المغربي وإعطائه هامشا من الحرية والديمقراطية في حدود المحافظة على المصالح الفرنسية وحمايتها ، تمهيدا لتخليها عن أطروحة الإحتلال المغربي للصحراء الغربية ، مقابل تفاهم كبير مع الجزائر يصون مصالحها ويسهم في تكثفيها في إطار من العلاقات الثنائية المتميزة والمثمرة المبنية على التقارب والمصالحة والتكفير عن سيئات الماضي ومخلفات الإستعمار وسياساته الرعناء ، ليس فقط في المنطقة المغاربية وإنما كذلك من خلال التعامل مع دول الإتحاد الإفريقي وخاصة الفرنكوفونية منها ، وهو ما قد يسمح بتداول قضية الصحراء الغربية على هذه المستويات بأسلوب جديد يسهل للإتحاد الإفريقي ومنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لعب أدوارهم في فرض الحل العادل والمطلوب للقضية الصحراوية ، بقدر من الجدية والمشروعية تدفعها أجندات مستقبلية مدروسة تروم مصالح البلدين ومصالح المنطقة المغاربية والقارة السمراء عموما ، وبهذا التوجه تكون فرنسا قد نجحت في إخراج نفسها من بؤرة العداء والإستبداد إلى مسرح المصالحة مع الذات والإحترام المتبادل مع الغير .

أما بالنسبة لإسبانيا فلا يمكنها إلا أن تسلك نفس الطريق ، هذا إن أرادت التكفير عما إقترفته من ذنوب في حق الشعب الصحراوي وقضيته العادلة ، والمحافظة بالتالي على مصالحها في الصحراء الغربية وفي الجزائر أيضا طبقا لما تمليه التحولات الجديدة والمتغيرات الدولية الحديثة .

ولا شك إن الفضل في هذا كله يعود إلى النفوذ الإقتصادي الصيني والى التطور  العسكري الروسي الذي فرض نوعا من التوازن في شمال غرب إفريقيا وفي العديد من أرجاء العالم  .ويبقى موقف الولايات المتحدة الأمريكية  لم يتبلور بعد إعلان ترامب الإعتراف بالسيادة المزعومة للمغرب على الصحراء الغربية ، وإن كانت هناك إشارات إيجابية في هذا الصدد ، مع العلم أن إعلان ترامب لا يرقى إلى درجة الإلزام ما يسهل تعطيله من قبل  الإدارة الجديدة برئاسة جو بايدن ، الذي سبق وأن تعهد بمراجعة تركة ترامب التي لطخت سمعة الولايات المتحدة الأمريكية وأوغلتها في أزمات سياسية وإجتماعية مختلفة ، ولهذا فليس من المستبعد أن تحسم الإدارة الأمريكية الجديدة موقفها من مسألة الشرعية الدولية وقرارات منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ذات الصلة بالقضية الصحراوية ، خاصة وأن الولايات المتحدة هي صاحبة القلم التي تصوغ قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بالنزاع في الصحراء الغربية ، وإذا لم تلغ إعلان ترامب المذكور فستقع في تناقض مع توجهاتها السابقة والمعروفة لدى المجتمع الدولي .

على أية حال يبدو أن العلاقات القديمة والتحالفات التقليدية ما عادت تساير المتغيرات الحاصلة في العالم اليوم وخاصة في ضوء ما يمليه التنافس الغربي على مقدرات الشعوب الإفريقية وعلى ثرواتها البكر ومواقعها الإستراتيجية .

على هذا الأساس وطبقا للتوازنات الحاصلة اليوم ، فإن حل القضية الصحراوية ليس مستبعدا بالنظر إلى العلاقات الدولية الجديدة التي أصبحت تفرضها المصالح إلى جانب عودة بعض الإعتبار لقوانين ومواثيق الشرعية الدولية إحتراما للقضايا العادلة وعملا على حل ما يشهده العالم اليوم من نزاعات وتوترات وقضايا إنسانية يندى لها الجبين في العديد من أرجاء المعمورة .

في الأخير ورغم كل ما سبق من تحليل وتوقعات وإستشراف  للمستقبل ، يبقى الشعب الصحراوي هو من يفرض الحل الذي يناسبه ، بصموده وبمقاومته وعزيمته الفولاذية وإصراره المنقطع النظير على الخلاص من الإحتلال المغربي مهما يكن الثمن ، ولا شك أن لديه من الأساليب والحلول البديلة ما يمكنه من إسترجاع كل حقوقه المشروعة المتمثلة في الحرية والإستقلال وبناء دولته على كامل ترابها الوطني.

بقلم:محمد حسنة الطالب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق