كتاب وآراء

وحدتنا الوطنية هشة…أتمنى أن أكون مخطئا بقلم محمد فاضل محمد سالم

قبل اليوم ب 44 سنة و بالضبط في الثاني عشر من هذا الشهر من سنة 1975، تتقدم النخب الصحراوية ذات الشرعية التمثيلية والسلطة التاريخية المعنوية و الفعلية بمعنى “تشياخت” على المكون القبلي الصحراوي و بالتالي على المجتمع الصحراوي ككل، تتقدم هذه النخب التقليدية المحترمة بالتنازل إراديا عن أبهتها، كبريائها و نخوتها من أجل الوطن لتُسلم الريادة الى نخب سياسية شابة عاقدة العزم على فرض وجود الشعب الصحراوي بعدما كان يعيش على رصيف التاريخ.
إنهم الأباء المحترمون الذين جُلهم اليوم في دار البقاء أعضاء “الجماعة”، تلبية منهم لنداء الجبهة الشعبية و إدراكا منهم للأخطار المحدقة بالوطن، يقدومون مكانتهم الإجتماعية و سلطتهم المعنوية و “اشياختهم” بل ارواحهم وممتلكاتهم الى ثورة ال20 ماي، و يعلنون في “لقاء عين بنتيلي” التاريخي أن لا عمائم بعد اليوم فوق رؤوسهم سوى عمامة الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب.
و لعمري إن ذلك منتهى نكران الذات و سمو الهِمة و علو الشأن و قوة الشكيمة و قِمة الوطنية و ذروة المسؤولية ونضوج الفكر و حكمة العقل. بذلك الموقف الراشد الرصين الذي اتخذه الأباء الموقرون من شيوخ قبائل و أعوانهم، تنصهر طاقات الشعب الصحراوي بمختلف شرائحه و مكوناته في حضن “الوحدة الوطنية” التي نحتفي هذه الأيام بذكراها الرابعة و الأربعون. الوحدة الوطنية التي بفضلها تمكنا الى حد الساعة من الحفاظ على و جودنا كشعب و كقوة سياسية ، عسكرية ،إجتماعية و ثقافية في المنطقة.
لقد كان التفكير في “ملتقى عين بنتيلي” تفكيرا استراتيجيا، بعيدا عن السطحية و النظرة القصيرة المدى، فكان التناغم و التكامل في الطرح و الرؤية للمستقبل بين النخبة التقليدية المعتمِدة على التجربة الطويلة و الخبرة في أغوار المجتمع الصحراوي و النخبة الشابة الصاعدة ذات فكر سياسي و برنامج عمل وطني و مؤمنة بحتمية إنتزاع الإستقلال و فرض السيادة. فحصل في تلك الحقبة الزمنية من تاريخنا المعاصر التزاوج و التلاقح الإيجابي بين التقليدي و العصري بين الماضي و امجاده و الحاضر ومتطلباته لتجنيد كل الطاقات الوطنية لخوض حرب لا هوادة فيها على ساحة تمتد من امحاميد الغزلان شمالا الى حدود النعمة و ولاتة و باسكنو على مشارف نهر السنغال، الشيء الذي أذهل عقول خبراء الحروب الحديثة و أبطل نظريات عسكرية كانت الى يومئذ مسلمٌ بصحتها و نجاعتها. فتوالت المكاسب و عظُمت الإنتصارات وفرض الشعب الصحراوي نفسه كمُعادلة صعبة لايمكن القفز عليها.
إنه إذا كان من الواجب علينا أن نقف اليوم تقديرا و احتراما لمهندسي “لقاء عين بنتيلي” الذين استشرفوا المستقبل و كانوا سبّاقين الى طرح فكرة ” الوحدة الوطنية ” و انتشال المجتمع الصحراوي من وحل القبلية و العشائرية و العدمية السياسية،ألا يحق لنا ان نتسائل هل وحدتنا الوطنية بخير؟ الجواب لا، ليست بخير …وأتمنى أن أكون مخطئا.
إن واقعة امهيريز الأخيرة التي لاتخرج عن نطاق تصفية حسابات بين مهربي المخذرات فإنها أخرجت المارد القبلي من الرماد و نفخت فيه الحَميّة و العصبية القبلية و أحيت حروب “داحس” و “الغبراء” وكشفت عن تآكل و هشاشة هذه الوحدة منذ احداث 1988 مرورا بخِيّم المُصالحة القبلية التي كانت تنصب طِوال سنوات التسعينات هنا و هناك لحل خلافات مزعومة بين قبيلة و أخرى الى الأصطفاف القبلي بل حتى العشائري للحصول على منفعة ما، سياسية كانت أم مادية و الأدهى و الأمر أن مؤسسات الدولة لم تسلم من ذلك السرطان الخبيث. وإن كانت الأسباب تتقاطع بين الذاتي و الموضوعي في قضية التراجع النسبي عن روح و مباديء “لقاء عين بينتيلي” ،فإن اللوم و المسؤولية لا تنحاز عن عاتق النخب السياسية و النخب الثقافية سواء من يمارس عمله داخل المؤسسات الوطنية أو خارجها و سواء من هو في السلطة أو خارجها.
إن النخب السياسية عليها أن تكف عن صناعة الأوهام وإطلاق الوعود غير المبررة و الإستماع فقط الى صوت الجرس الذي يداعب آذانها وأن تُرتب سُلّم الأولويات لا حسب منفعتها الذاتية ولا وِفق النّجاعة التي تُؤَمِّن لها الاستمرارية، بل حسب الطريقة التي تسمح لها بمعالجة الإختلالات و النهوض بالمجتمع من واقع لا يُرضي أحداً الى واقع أفضل و ذلك بتَذكُر أن الشعب الصحراوي مكلوم بالوجع و الشتات و اللجوء و الفقر والحصار والملاحقة البوليسية وما بين شهيد وأسير وجريح ومحاصر ومهجر وفقير تختلف المعاناة لكنها وحدت حالنا جميعا كصحراويين.
إن على النخب المثقفة التي من بين دورها تنوير السلطة السياسية و مساعدتها على إنجاز مهامها، أن تكف هي أيضا عن جلد الذات دون تقديم البديل الفكري أو السياسي أو الإجتماعي و عن الإبتعاد عن رفع شعارات بعيدة عن الواقع و التشدق بالكليشهات الفارغة، نخب إنغلقت على نفسها في معارك و همية من قبيل تحديد المدة الرئاسية و حول الديمقراطية و آلية الإنتخاب و غيرها، في مجتمع كمجتمعنا تطحنه القبلية و العشائرية و الفقر والإحتلال و مآسي اللجو، ناقلةً انتاجاً معرفياً للتغيير، يمثل مرحلة حضارية و صلها الغير في ظروف معينة دون أن تعي أن تلك الإنتاجات تحتاج الى إعادة الصياغة وخلق لها الأسباب الموضوعية، لتتلائم و الواقع الصحراوي حتى لو كان هذا الواقع في وضعية طبيعية غير التي عليها اليوم، التي هي ضعية إستثنائية.
إن القبلية مِعول هدم لمشروع الدولة الصحراوية إنه أمر لا يختلف عليه إثنان كما لا يختلفان أيضا على أن النخب فشلت الى حد الساعة في تعزيز روح “لقاء عين بنتلي” بإعطاء للجمهورية الصحراوية قِيّم الدولة التي ترتكز على حق المواطنة و مساواة الجميع أمام القانون والإنتقال بالإنسان الصحراوي من عقلية البداوة والتعصب الى عقلية الإحساس بالإنتماء للدولة التي يجد فيها ذاته و يحقق من خلالها مآربه. إنها معضلة و تحدٍ حقيقي لجميع النخب الصحراوية من قيادات و أطر على جميع المستوايات مما يلزم حل هذه المعضلة و رفع هذا التحدي و لن يكون ذلك إلا بالتخلي عن التفكير الكلاسيكي الرتيب و الجامد و إحلال محله تفكيرا مغايرا و طرائق مستحدثة لخلق نظام المناعة في الجسم الصحراوي ليس ضد فيروس القبلية و حده بل ضد طحالب الغزو الثقافي التي تتناسل هنا و هناك.
إن بناء الدولة هي عملية إجتماعية و ثورة معريفية مستمرة و ليس مجرد مجموعة من المؤسسات الجامدة من طوب و حجر.
إن النقاش الواسع الذي فتحته اللجنة الوطنية لتحضير المؤتمر الشعبي العام الخامس الذي سينطلق مع الذكرى الرابعة و الأربعين “للوحدة الوطنية” لن يعف أحدا من الإدلاء برأيه و بعُصارة فكره للمساهمة في خلق أسباب النهوض الشامل بالمجتمع الصحراوي بمايضمن نجاح الثورة و عدالة الدولة و إنسجام المكون الوطني. لم يبق هناك مبرر للتقاعس عن مصارعة الأفكار و طرح البدائل و توحيد أصواتنا لجعل من الإستحقاق القادم نقلة نوعية في تاريخ الشعب الصحراوي.
إن التغيير الحقيقي و الفعلي يبدأ بتغيير الذهنيات و تطوير الممارسات و تعزيز التماسك و الإنسجام إنها عملية صعبة و بطيئة وذلك يستدعي من نخب اليوم تفكيرا استراتجيا كما فعلت نخب الأمس في “لقاء عين بنتيلي” القدوة و المثال، فل يكن مؤتمر الشهيد البوخاري أحمد أولى محطات التغيير و الإصلاح الذي ننشده جميعا بما يعزز “الوحدة الوطنية” و يقوي “التنظيم السياسي” الوحيد و الأوحد : الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب.
بقلم محمد فاضل محمد سالم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق